100%
قاف

قسوة بني إسرائيل ضد المصلِحين وتجلياتها في بني أُمية - قراءة قرآنية

هيئة التحرير

 

المصدر: مجلة الولاية – العدد 205 – الصفحة (12)

 

 

ذمّ الله – تعالى -  اليهودَ في مواضع متعددة من كتابه الكريم، ووصفهم بنقض العهود والكفر بآياته، فقال تعالى:(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ) [النساء: 155] كما اقترن كفرهم بواحدة من أعظم الجرائم البشعة، وهي قتل الرسل والأنبياء، قال تعالى:(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)[البقرة: 61]؛ ليصل الحال بقسوتهم وتعديهم على حدود الله تعالى، بعدم الاكتفاء بقتل النبيين فحسب، بل قتل من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، كما في قوله تعالى:(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [آل عمران : 21 ] وغيرها من الآيات الحاكية عن قسوة بني إسرائيل وبطشهم ضد الأولياء والصاحين.

ولا يخفى أن القرآن الكريم لم يكن لزمان من دون آخر، بل تنطبق مضامينه على مصاديق متعددة، ومن أبرز مصاديق ممارسة القسوة والبطش ضد الأولياء والمصلِحين ما فعله بنو أُمية مع الإمام الحسين (عليه السلام) وحركته الإصلاحية، ويتجلّى ذلك في إحدى محاورات الإمام الحسين (عليه السلام) مع عبد الله بن عمر –كما يذكر التأريخ- عندما عزم على الخروج إلى العراق، فبيّن له كيف أن الله سبحانه سينتقم من الظالمين ممن يسعى لقتله، كما انتقم من بني إسرائيل بعد قتلهم الأنبياء والمصلِحين، كما بيّن قسوة القوم الظالمين ومدى استهانتهم بالدماء والطغيان، وأن الله سبحانه وتعالى قد يمهل الظالم ولا يعجّل له العقوبة، ولكنه يأخذه بعد حين بقوة عزيز ذي انتقام، فقال الإمام الحسين (عليه السلام) لابن عمر: ((أن بني إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيًا، ثم يجلسون في أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئًا ، فلم يعجِّل الله عليهم، بل أخذهم بعد ذلك أخذ عزيز ذي انتقام))(1).

وفي هذه العبارة -على قصرها- بيان لما كان عليه بنو أُمية من طغيان وظلمٍ، بما جعل الإمام (عليه السلام) يُشبّههم ببني إسرائيل، فيصف عظم عدم المبالاة من قِبل بني إسرائيل والاستخفاف بالدماء الزكية، عندما كانوا يقتلون الأنبياء والمصلِحين في أول النهار، ثم يمارسون حياتهم اليومية بشكلٍ طبيعي، وكأنّ شيئًا لم يحدث.

بل كأن هذا الأمر -القتل- أصبح أحد مفاصل حياتهم اليومية، فكان قتلهم الأنبياء من أهون الأُمور لديهم، فيذهبون بعد القتل لبيع البقل والخضار في أسواقهم، ويستمرون في تلك الحال لآخر النهار.

وفي العبارة دلالة على الرضا المجتمعي للجريمة التي تحدث مهما عظمت، فمجتمع بني إسرائيل مجرمٌ بأكمله بحسب كلام الإمام، وإنْ لم يُشارك بشكلٍ مباشر بعملية قتل الأنبياء، إلا أنه كان ميتًا ضميريًا، إذ لم يعترض أحد على ذلك الفعل الشنيع، فالأفراد القتلة يعودون إلى السوق والناس يتقبلونهم كأفراد مألوفين غير مستنكرين عليهم فعلهم، وبرضاهم فعل من قَتَل يكونون بمنزلته من الجرم.

مضافًا إلى أن بعض أصناف المجتمع لعلهم كانوا يرون في الفئة القاتلة الصلاح والشجاعة والإقدام، وهو عين ما كان يسوّق له بنو أُمية في موقفهم ضد الإمام الحسين(عليه السلام)، والناس متغافلون عما يميّز الحق عندهم، حتى باتوا بحاجة إلى ما يفيقهم من غفلتهم، بإظهار قبح من يوالون من الظالمين وبشاعتهم، باستعدادهم لارتكاب أفظع جريمة بأبشع صورها في واقعة كربلاء، من دون تأنيب للضمير أو شعور بقسوة القلوب، فضلًا عن اتخاذه تمردًا على أوامر الله عز وجل، المرسِل للأنبياء، بغية نجاة الأمّة من الهلاك، وقد كان الإمام الحسين (عليه السلام) يسعى لتحقيق الإصلاح في أُمة جده المصطفى(صلى الله عليه وآله)، سيرًا على سِيَر الأنبياء والصالحين.

-------------------

1-أحمد بن أعثم الكوفي، الفتوح: 5/25، ظ: