هيئة التحرير
المصدر: مجلة الولاية – العدد 204 – الصفحة (13)
لقد تخلّدت كلمة الإمام الحسين (عليه السلام): (هيهات مِنّا الذلة)، واستمدت خلودها من خلود القرآن الكريم ومضامينه السارية إلى المجتمعات الإنسانية على مرِّ العصور، فأصبحت هذه الكلمة عنوانًا لكلّ أحرار العالم على تنوع مشاربهم، فالجميع يرددها ويتغنى بها؛ لما تعبّر عنه من حالة الحرية الإنسانية الرامي إليها جميع البشر.
ويجسد سلوك الإمام الحسين (عليه السلام)، في سبيل العزّة وعدم القبول بالذل، مراد الله تعالى في قرآنه الكريم، ويتفق مع ما يرمي إليه من مبادئ وقيم حياتية سامية؛ إذ يجعل العزّة لله ولرسوله وللمؤمنين حصرًا، ومَن تشبّه بهم أو سار على نهجهم، من دون غيرهم من أصناف الناس، ممن يرتضي لنفسه ملازمة الذل والهوان، إذ أوجب الله تعالى في القرآن الكريم على الإنسان المؤمن أن لا يذل نفسه في أكثر من موضع، قال تعالى: (من كان يريد العزة فإن العزة لله جميعًا) [فاطر: 10]، وقوله تعالى: (أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعًا)[النساء: 139]، وكذلك قوله سبحانه وتعالى:(وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون: 8]، وغيرها.
وفيما ورد في تفسير ذلك عن العترة الطاهرة ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: ((إن الله عز وجل فوض إلى المؤمن أموره كلها، ولم يفوض إليه أن يذل نفسه، ألم يرَ قول الله عز وجل ههنا: ((وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ، والمؤمن ينبغي له أن يكون عزيزًا ولا يكون ذليلًا )).
وقد ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث آخر قال: (عليه السلام) ((المؤمن يكون عزيزًا ولا يكون ذليلًا . . المؤمن أعزّ من الجبل، إنّ الجبل يستفل منه بالمعاول والمؤمن لا يستفل من دينه شيء)).
فأولياء الله وأحباؤه يقتبسون نورًا من نور الله عز وجل ، فيأخذون عزًا من عزته؛ ولهذا فإنّ روايات إسلامية عديدة حذّرت المؤمنين من التنازل عن عزتهم، ونهتهم عن تهيئة أسباب الذلة في أنفسهم، ودعتهم بإلحاح إلى الحفاظ على هذه العزة،
من منطلق قرآني وتطبيقًا لتعاليم الله عز وجل رفض الإمام الحسين (عليه السلام) كل مظاهر الذل والهوان وإنْ كلّفه ذلك حياته، ففي يوم عاشوراء لما أرادوا منه النزول على حُكم يزيد وابن زياد لينجو بنفسه وبأهله وأصحابه قال: ((لا واللهِ، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر إقرار العبيد)).
وقال(عليه السلام) كلمته المشهورة أيضًا: (( ألا وأنّ الدعي ابن الدعي قد تركني بين السلة والذلة، وهيهات له ذلك مني، هيهات منا الذلة، أبى الله ذلك لنا ورسوله والمؤمنون...)).
فسلام الله على أبيِّ الضيم وأبي الأحرار ما بقي الليل والنهار
--------------------------------
الكليني، محمد بن يعقوب (ت: 329هـ) الكافي، صححه وقابله وعلق عليه: علي أكبر الغفاري، دار الكتب الإسلامية، 1367هـ: 5/64.
مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل: 18/ 367.
الطبري، محمد بن جرير (ت: 310هـ)، تاريخ الأمم والملوك: 3/319، ظ: المفيد، محمد بن محمد بن النعمان (ت: 413هـ) الارشاد في معرفه حجج الله على العباد: 2/98.
الطبرسي، أحمد بن علي بن أبي طالب: 2/24، ظ: المعتزلي، ابن أبي الحديد (ت: 656هـ) شرح نهج البلاغة: 3/250.