100%
ذاكرة الأمم

ابن بطوطة في العراق رحلته إلى واسط والبصرة بين التاريخ والجغرافيا

م.م منال الخاقاني
جامعة الكوفة/ المكتبة المركزية
 
المصدر: مجلة الولاية – العدد 202 – الصفحة (97)

 
ابن بطوطة (703هـ – 779هـ / 1304 – 1377م) هو رحالة ومؤرخ مغربي وهو محمد بن عبدالله بن ابراهيم، ولد في سنة 703هـ يوم الاثنين السابع عشر من رجب، يكنى بأبي عبد الله ويعرف بابن بطوطة، كان يعرف في البلاد الشرقية بشمس الدين وفي الهند يدعونه بدر الدين، ابن بطوطة بتشديد الطاء او تخفيفها، ويبدو أن ابن بطوطة قد حصل على ما تيسر له من العلم في مسقط رأسه بمدينة طنجة، وتعلم شيئاً من علوم الدين والفقه(1) قام برحلات واسعة شملت معظم أنحاء العالم الإسلامي وخارجه. تُعد رحلته إلى العراق، خاصة في مدينتي واسط والبصرة، وتعد محطة مهمة لفهم الجوانب الدينية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في المدن الإسلامية في القرن الرابع عشر الميلادي(2).
 
ولم يقتصر ابن بطوطة في رحلته إلى العراق، على وصف المعالم الجغرافية فحسب، بل تناول العادات الدينية، والزوايا، والمدارس القرآنية، وأسلوب حياة الناس، ما يجعل كتابه مصدرًا غنيًا للباحثين في التاريخ والجغرافيا الاجتماعية والدينية.
 
الرحلة:
ابن بطوطة، المعاصر لماركو بولو، سرد رحلاته من طنجة إلى الصين مرورًا بدلهي وجزر المالديف والقاهرة ودمشق، متضمنة مغامرات ومخاطر متنوعة. وصف التنوع الحضاري الذي صادفه، بما يشمل الطعام والشراب والممارسات الدينية، مقدّمًا رؤية واسعة عن المجتمعات الإسلامية في القرن الرابع عشر.
في كتابه "الرحلة"، يقدم ابن بطوطة فسيفساء من التصوف والملاحظات الواقعية المشابهة للواقعية السحرية، مما يمثّل مزيجًا فريدًا بين السرد التاريخي والتجربة الشخصية. وقد قام الباحث ديفيد واينز بتحليل هذه الرحلة، كاشفًا عن عجائب العالم الإسلامي وأسلوب حياة ابن بطوطة، مؤكدًا جرأته وإنسانيته في آن واحد(3).
 
واسط في عيون ابن بطوطة
وصف ابن بطوطة مدينة واسط بأنها مدينة خصبة وغنية بالزراعة والأشجار، وأهلها من خيار الناس، وأكثرهم يحفظون القرآن الكريم ويتقنون تجويده. ومن أبرز ما سجله الرحالة:
وجود مدرسة عظيمة تضم نحو ثلاثمائة خلوة لتعليم القرآن، أسسها الشيخ تقي الدين عبد المحسن الواسطي، وهو من كبار فقهاء المدينة.
الطلاب والوافدون يحصلون على الكسوة والنفقة اليومية، ما يدل على الدور المجتمعي للمدارس الدينية في رعاية الطلاب ودعم تعليمهم، وقد وصف الطقوس الدينية في الرواق الذي كان يقصده الزوار (ومنها رقص الفقراء والسماع، وهو من الممارسات الخاصة بالطائفة الأحمدية، بما في ذلك أعمال رمزية تتعلق بالنار والحية.ولقد نزلنا مدينة واسط فأقامت القافلة ثلاثًا بخارجها للتجارة فسنح لي زيارة قبر الولي أبي العباس أحمد الرفاعي، وصادفنا قدوم الشيخ أحمد كوجك حفيد الولي، وأخذ الفقراء في الرقص، ومنهم من يأكل النار بفمه حتى يطفئوها جميعها، وهذه الطائفة الأحمدية مخصوصون بهذا.هذا الوصف يوضح التفاعل بين الجوانب الدينية والثقافية والاجتماعية في المدينة، إضافة إلى دور المدارس والزوايا كأماكن للتعلم والعبادة)(4).
 
استكشاف البصرة مع ابن بطوطة
بعد واسط، وصل ابن بطوطة إلى البصرة، وركّز في وصفه على المشاهد والقبور والزوايا والمدارس القرآنية فكان مما وصفه:
-قبر طلحة بن عبيد الله داخل المدينة، عليه قبة ومسجد وزاوية لتقديم الطعام للزوار.
-قبر الزبير بن العوام خارج البصرة، له مسجد وزاوية مع طعام لأبناء السبيل.
-قبر حليمة السعدية مرضعة الرسول (صلى الله عليه وآله)، مع قبر ابنها اخي الرسول بالرضاعة.
وقد وصف - أيضاً - قبور عديد من الشخصيات التاريخية، منها قبور، الحسن بن أبي الحسن البصري، محمد بن سيرين، مالك بن دينار، وحبيب العجمي.
 
وصف طبيعة المدينة:
 تقع على ساحل الفرات ودجلة، ومياهها متقلبة حسب الملوحة بين المالحة والعذبة.
الأسواق غنية بالخبز، السمك، التمر، اللبن والفواكه، وكانت الأبلّة مدينة كبيرة يقصدها التجار من الهند وفارس، وتقع البصرة على ساحل الفرات ودجلة وبها المد والجزر… والبياعة في ظلال الأشجار يبيعون الخبز والسمك والتمر واللبن والفواكه… وهي الآن قرية بها آثار قصور وقراها دالة على عظمتها."
وقد ركّز ابن بطوطة على الجانب الاجتماعي والروحي للمدينة، ومن ذلك زيارة الزوايا والمساجد والتفاعل مع الشيوخ والفقهاء، وتسجيل الطقوس اليومية للفقهاء والخدمة للفقراء والزائرين.
وقد كانت كلتا المدينتين واسط والبصرة مراكز تعليمية ودينية، مع مدارس قرآنية وزوايا للفقراء، وهو ما يدل على الاستثمار الاجتماعي في التعليم الديني في العصر الوسيط.
كما وصف الاحتفالات الطائفية والطقوس الروحية في واسط، ومن ذلك رقصة الفقراء والطائفة الأحمدية، ليظهر التنوع الديني والثقافي في العراق.
وهذه المدن بحسب وصفه غنية بالمياه والبساتين والأسواق النشطة، ما جعلها محطات تجارية مهمة للقوافل، مما يدل على أهمية العراق في التجارة الداخلية والخارجية في القرن الرابع عشر.
فضلا عن أن تنظيم الطعام للفقراء والزوار، ورعاية الطلاب في المدارس القرآنية، يوضح الشراكة بين المؤسسات الدينية والمجتمع المحلي.
وتظهر رحلة ابن بطوطة إلى واسط والبصرة صورة شاملة للمدينة من حيث التعليم والدين والزراعة والأسواق والعادات الاجتماعية. وتوفر هذه الرحلة مصدرًا مهمًا لدراسة الحياة اليومية والممارسات الدينية في العراق في القرن الرابع عشر الميلادي، كما تكشف عن أثر العلماء والمدارس في الحفاظ على الثقافة الدينية والاجتماعية، فضلا عن إبراز التفاعل بين التجارة والتعليم والزراعة في المدن الكبرى.

  

-----------

1.محمد بن عبدالله ابن بطوطة وابن جزي الكلي، رحلة ابن بطوطة تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار: 1/ 130

2.محمد يوسف عمر عابد، بلاد الشام في رحلة ابن بطوطة: 24.

3.Waines, D. (2006) The Odyssey of Ibn Battuta: Uncommon Tales of a Medieval Adventurer. London: Bloomsbury Academic.

4.محمد بن عبدالله ابن بطوطة وابن جزي الكلي، رحلة ابن بطوطة تحفة النظار في غرائب الامصار وعجائب الاسفار: 133.