هيئة التحرير
المصدر: مجلة الولاية – العدد 207 – الصفحة (60)
كان أمير المؤمنين(عليه السلام)كثيرًا ما يوصي عمّاله وولاته على الأمصار بأن يسيروا بسيرته بين الرعية وأن يبسطوا العدل ويحكموا بالقسط ولا يهادنون في دين الله أو تأخذهم فيه لومة لائم، وقد حرص (عليه السلام) أن يكون ولاته مثالاً للمساواة بين الناس وعدم تفضيل فئة على أخرى، وإن كانوا من أشراف القوم وأسيادهم ذلك أن منهج الإسلام الذي أسسه الرسول ودافع عنه الإمام أمير المؤمنين يرفض التمييز بين إنسان وآخر إلا بالتقوى والتقرب إلى الله تعالى، فكان (عليه السلام) يحاسب عماله إذا بدا من أحدهم أي تقصير في أداء عمله، أو أن يركن في موقعه هذا إلى شيء من حطام الدنيا، وتحت أي عنوان من العناوين.
فهذا عامله على البصرة عثمان بن حنيف، حينما دعاه قوم من أشراف المصر إلى حضور وليمة، كانت قد أقيمت لعِلية القوم فحسب، من دون مساكينهم وفقرائهم... فما كان من أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما بلغه ذلك إلا أن بعث إليه بكتابه: ((أمَّا بَعْدُ يَا ابْنَ حُنَيْفٍ فَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ وتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ وغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُه مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ ومَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ أَلَا وإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَامًا يَقْتَدِي بِهِ ويستضيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ أَلَا وإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ ومِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ أَلَا وإِنَّكُمْ لَا تَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ ولَكِنْ أَعِينُونِي بِوَرَعٍ واجْتِهَادٍ وعِفَّةٍ وسَدَادٍ فَوَاللَّهِ مَا كَنَزْتُ مِنْ دُنْيَاكُمْ تِبْرًا ولَا ادَّخَرْتُ مِنْ غَنَائِمِهَا وَفْرًا ولَا أَعْدَدْتُ لِبَالِي ثَوْبِي طِمْرًا ولَا حُزْتُ مِنْ أَرْضِهَا شِبْرًا..))(1).
بل أنه (عليه السلام) لم يخفِ على رعيته أمرا ما، فقد كان يكاشفهم بكل صغيرة وكبيرة في أمور دولته التي أسسها على الصدق والأمانة وعدم المواربة والخيانة، وكان سلام الله عليه لا يتساهل مع أي تقصير أو إهمال يطال الناس أو الرعية من أي كائن كان، حتى لو كان من أقرب الناس إليه، وها هي سودة الهمدانية تحدث معاوية عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قائلة: "والله لقد جئته في رجل كان قد ولاه صدقاتنا فجار علينا فصادفته قائمًا يصلي، فلما رآني انفتل من صلاته ثم أقبل علي برحمة ورفق ورأفة وتعطف وقال: ((ألك حاجة؟)) قلت: نعم، فأخبرته الخبر فبكى ثم قال: ((اللهم أنت الشاهد عليّ وعليهم، وإني لم آمرهم بظلم خلقك، ولا بترك حقك))، ثم أخرج قطعة جلد فكتب فيها: ((بسم الله الرحمن الرحيم (قَدْ جَاءَتْكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ ۖ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)[الأعراف: 85] فإذا قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يدك من عملنا حتى يقدم عليك من يقبضه منك والسلام)). ثم دفع الرقعة إليّ، فوالله ما ختمها بطين ولا خذمها فجئت بالرقعة إلى صاحبه فانصرف عنا معزولًا)(2).
----------------------------
1 - نهج البلاغة، الرسائل والكتب: 45.
2- ابن أبي الفتح الإربلي، كشف الغمة:1/ 172.