أ.د كريم شاتي السراجي
جامعة الكوفة/ كلية الفقه
المصدر: مجلة الولاية – العدد 196 – الصفحة (35)
إن المتتبع لمناظرات هشام بن الحكم وحواراته، يجد أنّ موضوع الإمامة هو الموضوع الأساس في هذه المناظرات والحوارات، إذ أخذ مساحة واسعة من اهتمامه وتفكيره، ومما يدل على ذلك مؤلفاته الكثيرة في هذا الموضوع، إذ بلغ عددها أحد عشر مؤلفًا، وإن آراء هشام في مسألة الإمامة تعد مرجعًا مهمًا لعلماء هذه المدرسة، حتى أن ابن النديم وصفه بأنه "ممن فتق الكلام في الإمامة"(1).
وسوف نتناول في هذا المقال آراءه الكلامية في مسألة الإمامة عبر ما ورد عنه من روايات ومناظرات وحوارات في هذا الاتجاه، ويشتمل البحث على عدة محاور:
المحور الأول: الإمامة لطف من الله تعالى
قاعدة اللطف أو دليل اللطف هو أحد الأدلة التي يستدل بها علماء الإمامية في إثبات وجوب الإمامة عقلًا على الله تعالى، ومفاد هذه القاعدة كون الله تعالى لطيفًا، فمن باب لطفه أن يهيئ لخلقه كل ما يقرّبهم إلى الطاعة ويبعدهم عن المعصية، كما في إرسال الأنبياء، وإنزال الكتب، ومنه تعيين الإمام والوصي والخليفة من بعد النبي.
وتعتقد الإمامية أنّ الله تعالى أمر نبيه في مواطن كثيرة بتعيين الإمام والخليفة من بعده وهو علي بن أبي طالب (عليه السلام) وقالت الشيعة بالوصية عليه (عليه السلام)؛ لأنه أفضل الناس بعد النبي (صلى الله عليه وآله) في علمه وعدله وحكمته وشجاعته وهذا موضع اتفاق أكثر المسلمين، إذ وردت روايات كثيرة صحيحة في فضله وعلمه وشجاعته وتميّزه عن باقي أصحابه وهي كثيرة جدًا، حتى أنّ معتزلة بغداد تقول: إنّ عليًا أفضل الصحابة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)(2).
وأن مناظرة هشام بن الحكم مع عمرو بن عبيد في مسجد البصرة تشير إلى هذه القاعدة (قاعدة اللطف)، إذ قال هشام لعمرو بن عبيد عندما سأله في حلقة درسه: ((ألك عين؟ قال عمرو بن عبيد: نعم، ثم قال هشام: فما تصنع بها؟ قال عمرو: أرى بها الألوان والأشخاص، قال هشام: ألك أنف؟ قال عمرو: نعم، قال هشام: فما تصنع به؟ قال عمرو: أشم به الرائحة، قال هشام: ألك فم؟ قال عمرو: نعم، قال هشام: فما تصنع به؟ قال عمرو: أذوق به الطعم، قال هشام: ألك أذن؟ قال عمرو: نعم، قال هشام: فما تصنع بها، قال عمرو: أسمع بها الأصوات، قال هشام: ألك قلب؟ قال عمرو: نعم، قال هشام: فما تصنع به؟ قال عمرو: أميز به كل ما ورد على هذه الجوارح والحواس، قال هشام: أوليس في هذه الجوارح غنى عن القلب؟ قال عمرو: لا، قال هشام: وكيف ذلك وهي صحيحة وسليمة؟ قال عمرو: يا بني إن الجوارح إذا شكّت في شيء شمته أو رأته أو ذاقته أو سمعته ردته إلى القلب، فيتيقن اليقين ويبطل الشك، قال هشام: فإنما أقام الله القلب لشك الجوارح؟ قال عمرو: نعم، قال هشام: لا بد من القلب، وإلاّ لم تستيقن الجوارح، قال عمرو: نعم، قال هشام: يا أبا مروان فالله تبارك وتعالى لم يترك جوارحك حتى جعل إمامًا يصحح لها الصحيح، ويتيقن به ما شك فيه، ويترك هذا الخلق كلهم في حيرتهم وشكهم واختلافهم لا يقيم لهم إمامًا يردون إليه شكهم وحيرتهم، ويقيم لك إمامًا لجوارحك ترد إليه حيرتك وشكك؟! فسكت عمرو ولم يقل لهشام شيئًا))(3).
إن الملاحظ لهذه المناظرة يجد أنّ هشامًا يريد أن يوصل إلى عمرو بن عبيد فكرة مفادها : أن الإمامة هي لطف من الله تعالى؛ لأنها هي التي تصحح ما يشك فيه العباد، ويبدد حيرتهم، ويكون هو المسدد لهم بإذن الله تعالى، وهذا المعنى تجده في المدينة الفاضلة(4) للفارابي، إذ يجعل الإمام والرئيس بمثابة القلب بالنسبة لباقي الأعضاء، وهو الرئيس لهذه المدينة، ومن الممكن أنّ الفارابي اقتبس هذا المعنى من مناظرة هشام بن الحكم؛ لأن هشامًا متقدم زمانًا على الفارابي ومدينته الفاضلة.
وفي رواية أخرى تحكي مناظرة هشام مع ضرار الضبي تشير إلى هذه القاعدة (قاعدة اللطف): ((قـال ضرار: ما الدليل على الإمامة؟ قال هشام: الاضطرار في هذا، قال ضرار: وكيف ذلك؟ قال هشام: لا يخلو الكلام في هذا من أحد ثلاثة وجوه، إما أن يكون الله عزّ وجل رفع التكليف عن الخلق بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) لم يكلفهم ولا يأمرهم ولا ينهاهم فصاروا بمنزلة السباع والبهائم التي لا تكليف عليها، أتقول هذا يا ضرار، أن التكليــف عن النــــاس مرفـــــوع بعد الرسـول (صلى الله عليه وآله)؟ قال ضرار: لا أقول هذا، قال هشام: فالوجه الثاني ينبغي أن يكون الناس المكلفون قد استحالوا بعد الرسول (صلى الله عليه وآله) علماءً في مثل حد الرسول في العلم، حتى لا يحتاج أحد إلى أحد فيكونوا كلهم قد استغنوا بأنفسهم وأصابوا الحق الذي لا اختلاف فيه، أتقول هذا أن الناس استحالوا علماءً حتى صاروا في مثل حد الرسول في العلم بالدين، فلا يحتاج أحد إلى أحد، مستغنين بأنفسهم عن غيرهم في إصابة الحق؟ قال ضرار: لا أقول هذا ولكنهم يحتاجون إلى غيرهم، قال هشام: فبقي الوجه الثالث، وهو أنه لا بد لهم من عالم يقيمه الرسول(صلى الله عليه وآله) لهم، لا يسهو ولا يغلط ولا يحيف، معصوم من الذنب مبرأ من الخطايا يحتاج الناس إليه ولا يحتاج إلى أحد))(5).
في هذه المناظرة يحصر هشام المسألة حصرًا عقليًا في ثلاثة أقسام، فيبطل القسمين الباطلين، ويبقي القسم الثالث وهو الحاجة إلى الإمام، وأنه لطف من الله تعالى وواجب على الله تعالى من باب لطفه بعباده أن يعيّنه للأمة؛ لكي يأخذ بأيديهم إلى ما فيه الخير والصلاح، فلا بد من نصب إمام حق؛ لأنه لا يستقيم أمر العباد إلاّ به، وهو وإن لم يصرح في هذه المناظرة باللطف إلاّ أن معناه موجود وحاضر، وهناك روايات كثيرة وردت عنه في هذا الصدد نكتفي بهذا المقدار منها.
المحور الثاني: عصمة الإمام
إن موضوع عصمة الإمام مترتب على كون الإمامة لطفًا من الله تعالى، فإذا كانت الإمامة لطفًا من الله تعالى، أيّ: أنها مقرّبة إلى طاعة الله تعالى، فلا بد من أن يكون الإمام معصومًا من الذنب، صغيرًا كان أو كبيرًا، وهذا موضــوع إجمـــاع علماء مدرســـة أهــــل البيت (عليهم السلام)، لذلك عندما سُئل هشام يومًا عن معنى قوله: ((إن الإمام لا يكون إلاّ معصومًا))، قال سألت أبا عبد الله عن ذلك فقال: ((المعصوم هو الممتنع بالله من جميع محارم الله وقد قال تبارك وتعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّـهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللـّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾[آل عمران: 101]، وبذلك فإنً هشامًا يرى أن العصمة هي من لوازم الإمامة في مدرسة أهــل البيت (عليهم السلام).
وتوجد رواية عن هشـــام بن الحكم يفصّل فيها مساحة العصمة عند الإمام، وأنه معصوم من جميع الذنوب صغيرها وكبيرها ببيان رائع، يدلل على أن مسألة العصمة لم تكن حادثة في زمن الشيخ المفيد، بل هي قديمة وراكزة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)؛ لأنها واردة في روايات كثيرة عنهم (عليهم السلام)، وكذلك الأدلة القرآنية والفعلية قائمة عليها، ونص هذه الرواية: ((سُئل هشام عن الإمام أهو معصوم؟ وأجاب بنعم، قال السائل لهشام: فما صفة العصمة فيه، وبأي شيء تعرف؟ قال هشام: إن جميع الذنوب لها أربعة أوجه، لا خامس لها: الحرص والحسد والغضب والشهوة، فهذه منفية عنه، لا يجوز أن يكون حريصًا على هذه الدنيا وهي تحت خاتمه؛ لأنه خازن المسلمين، فعلى ماذا يحرص؟! ولا يجوز أن يكون حسودًا، لأن الإنسان إنما يحسد من هو فوقه، وليس فوقه أحد، فكيف يحسد مَن هو دونه، ولا يجوز أن يغضب لشيء من أمور الدنيا إلا أن يكون غضبه لله عزّ وجل، فإنما الله فرض عليه إقامة الحدود، وأن لا تأخذه في الله لومة لائم ولا رأفة في دينه حتى يقيم حدود الله عزّ وجل، ولا يجوز له أن يتبع الشهوات ويؤثر الدنيا على الآخرة؛ لأن الله عزّ وجل قد حبّب إليه الآخرة، كما حبّب إلينا الدنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى الدنيا، فهل رأيت أحدًا ترك وجهًا حسنًا لوجه قبيح؟ وطعامًا طيبًا لطعام مر؟ وثوبًا لينًا لثوب خشن؟ ونعمة دائمة باقية لدنيا زائلة فانية؟!))(6).
في هذا النص الذي يتضمن بيان علّة الرذائل في الطبيعة الإنسانية وأنها منفية عن الإمام؛ لأن الإمام قد أودع الله فيه من لطفه ما يرفع هذه الرذائل ويجعله معصومًا منها، وهذا استدلال عقلي محض على إثبات العصمة من قبل هشام بن الحكم، أما استدلاله بالقرآن فيستدل بالآية القرآنية في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾[البقرة: 124]
المحور الثالث: الإمامة نص من الله تعالى
بعد أن استدل هشام بن الحكم وبرهن على أن الإمامة لطف من الله تعالى وهي واجبة عقلًا، وأن الإمام لا بد من أن يكون معصومًا من الذنوب؛ لأن الإمام هو الذي يقوم بتقريب الناس إلى الطاعة وإبعادهم عن المعصية، وهو دليلهم إلى الحق وهو الحافظ لدين الله تعالى، وعليه فواجب على الله تعالى من باب لطفه ورحمته أن ينصب للناس إمامًا فلا بد من النص عليـه.
يرى هشام أن الإمامة كالنبوة تعقد من الله تعالى وهذا الكلام ورد في محاورة ومناظرة هشام مع ضرار: ((قال ضرار لهشام: كيف تعقد الإمامة؟ قال هشام كما عقد الله عزّ وجل النبوة، قال ضرار: فهو إذا نبي؟ قال هشام: لا لأن النبوة يعقدها أهل السماء والإمامة يعقدها أهل الأرض فعقد النبوة بالملائكة وعقد الإمامة بالنبي والعقدان جميعًا بأمر الله تعالى))(7).
في هذا النص يثبت هشام أن الإمامة هي عقد وتعيين من قبل الله تعالى، وهي كالنبوة فهي أمر إلهي يبلّغه النبي للناس وعلى الناس طاعتـه.
ــــــــــــــــ
1. الفهرست: 1/349.
2. ظ: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، 1/15- 16.
3. الكليني، أصول الكافي: 95.
4. ظ: إبراهيم العاتي، الإنسان في فلسفة الفارابي: 344 - 345.
5. الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: 2/340 - 341.
6. الصدوق، علل الشرائع: 1/162.
7. الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة: 2/341.