100%

حق التعليم:

إنَّ العلم حياة للنفس الإنسانية، وحرمانها منه يعني انتقاص وامتهان كرامتها، فبالعلم ترتقي الأمم وبالجهل تموت القيم، فالعلم حياة القلوب والجهل موت النفوس، ومما يؤكد حقَّ التعلم والتعليم في الإسلام ما فعله النبي(صلى الله عليه وآله) بأَسرَى بدر، إذ جعل فدية الأسير تعليم عشرة من أبناء المسلمين، وقد أشار الإمام علي(عليه السلام) إلى حق التعلُّم والتعليم، في معرض تفسيره لقوله تعالى: (وَإِذَ أَخَذَ اللهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)[1]، فقال(عليه السلام): ( ما أخذَ اللهُ ميثاقاً من أهل الجهل بطلب تِبيان العلم، حتَّى أخذ ميثاقاً من أهل العلم ببيان العلم لِلجُهَّال، لأن العلم كان قبل الجهل)[2].

ويمكن القول أن الأئمة(عليهم السلام) يرفضون مبدئياً احتكار العلم، ويؤكدون ضرورة بذله لطالبيه، فعن أبي عبد الله(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (طلب العلم فريضة على كل مسلم، ألا إن الله يحب بغاة العلم[3])[4]، وعن يونس بن عبد الرحمن، عن بعض أصحابه قال: سئل أبو الحسن (عليه السلام): هل يسع الناس ترك المسألة عما يحتاجون إليه؟ فقال(عليه السلام): لا[5].

وعن أبي إسحاق السبيعي عمن حدثه قال: سمعت أمير المؤمنين(عليه السلام) يقول: أيها الناس اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال، إن المال مقسوم مضمون لكم، قد قسمه عادل بينكم، وضمنه وسيفي لكم، والعلم مخزون عند أهله، وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه)[6].

وعن معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل راوية لحديثكم يبث ذلك في الناس ويشدده في قلوبهم وقلوب شيعتكم ولعل عابدا من شيعتكم ليست له هذه الرواية أيهما أفضل؟ قال: (الرواية لحديثنا يشد به قلوب شيعتنا أفضل من ألف عابد)[7].

أما في وقتنا الحاضر، فتقوم مجموعة تدَّعي التحضر باحتكار العلم، وحَجبِه عن الآخرين، أو المتاجرة ببيعه بأغلى الأثمان، أو استخدامه كسلاح لتحقيق مآرب خاصة، والحال أن العلم هِبَة إلهية، ونعمة شرَّف الله تعالى بها الإنسان على باقي المخلوقات، وقد شبّه أهل البيت(عليهم السلام) العلم بالمال فأوجبوا فيه الزكاة كما أن في المال زكاة وزكاته نشره وقد بيّن الإمام السجاد(عليه السلام) في رسالة الحقوق، حقَّ المتعلِّم على المعلِّم بقوله: (أمَّا حق رعيَّتِك بالعلم، فأنْ تَعلَمَ أنَّ الله عزَّ وجلَّ إنَّما جعلك قَيِّماً لهم فيما آتاك الله من العلم، وفَتَح لك من خزائنه، فإن أحسنتَ في تعليم الناس، ولم تخرق بهم، ولم تضجر عليهم، زادك الله من فضله، وإن أنت منعت الناس عِلمَك، وخرقت بهم عند طلبهم العلم، كان حقاً على الله عزَّ وجلَّ أن يسلبك العلم وبهاءه، ويسقط من القلوب محلَّك)[8].

وبالمقابل حدَّد(عليه السلام) حق المعلِّم على المتعلِّم بقوله: (حَقُّ سائِسِك بالعلم التَّعظيمُ له، والتوقيرُ لِمَجلسه، وحُسنِ الاستماع إليه، والإقبال عليه، وأن لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيب أحداً يسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يُجيب، ولا تُحدِّث في مجلسه أحداً، ولا تغتاب عنده أحداً، وأن تدفع عنه إذا ذُكر بسوء، وأن تستر عيوبه، وتظهر مناقبه، ولا تجالس له عدوّاً، ولا تعادي له وليّاً، فإذا فعلت ذلك شهد لك ملائكة الله بأنّك قصدته، وتعلَّمت علمه لله جلّ اسمه، لا للناس)[9].

فطلب العلم والمعرفة حق كفله الإسلام للفرد، ومنحه حرية السعي في تحصيله، ولم يقيد شيئاً منه، مما تعلقت به مصلحة المسلمين ديناً ودنيا، بل انتدبهم لتحصيل ذلك كله، وسلوك السبيل الموصل إليه، أما ما كان من العلوم بحيث لا يترتب على تحصيله مصلحة، وإنما تتحقق به مضرة ومفسدة، فهذا منهي عنه، ومحرم على المسلم طلبه، مثل علم السحر والكهانة، ونحو ذلك.

ولأهمية العلم والمعرفة في الحياة، نزلت آيات القرآن الأولى تأمر النبي (صلى الله عليه وآله) بالقراءة، قال تعالى: (إقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)[10] والقراءة هي مفتاح العلم.

 

[1] سورة آل عمران: آية187.

[2] الأمالي للشيخ المفيد: ص66.

[3]بغاة العلم: أي طلابه، جمع باغ، كهداة جمع هاد.

[4] الكافي للشيخ الكليني: ج1، ص30.

[5] المصدر السابق.

[6] الكافي للشيخ الكليني: ج1، ص33. المصدر السابق.

[7] المصدر السابق.

[8] ميزان الحكمة محمد الريشهري: ج3، ص2083.

[9] المصدر السابق.

[10] سورة العلق: آية1- 5.