فهي حق الإنسان في اختيار عقيدته الدينية، ولقد قامت دعوة الإسلام على احترام هذه الحرية وصونها قولا وعملا، فكرا وممارسة، في جميع المجالات:
مدنيا في المعاملات.
وقضائيا في مظلة المحاكم.
حيث تحميها سلطة الدولة وتمنع أي احدِ من تجاوزها، وليس لأي إنسان حاكم أو رعية استخدام القوة أو الإكراه في فرض العقيدة على أحد، كل ما في الأمر أنه لا مانع من الحوار أو النقاش أو الدعوى إلى الدين الحق بالحكمة والموعظة الحسنة، والمجادلة بالتي هي أحسن، كما أن هذه الحرية مسؤولية، حيث يسأل كل إنسان أمام ربه عن نتيجة ممارسته، فإن أصاب الاعتقاد الصحيح نجا وإن تعثر وزاغ أو انحرف، وجب عليه تغيير معلوماته ومعارفه واستعمال وسائل معرفة جديدة لتبين وجه الحق والصواب، فإن أصر على الخطأ وتأثر بعوامل البيئة وتقليد الآباء والأسلاف، كان مسؤولا عن خطئه.
وحينئذ ينبغي عدم الخلط بين ممارسة حرية الإنسان، وبين سلامة النتيجة التي يتخذها، فلا تلازم بين الأمرين، على عكس ما يتصوره السذج والبسطاء، لأن معيار الحكم على قرار الحر هو في مدى إصابته للحق وعدم الإصابة وإذا لم يتوافر الوصول إلى الحق كان هناك نقص أو خطأ في المقدمات أو الأساليب أو المعارف أو إهمال لبعض المعارف الضرورية المتوافرة، والتي ينبغي على العقلاء الاهتداء بها وهي معايير الهداية الإلهية ومناهج الأنبياء والرسل الكرام، والتي لا يمكن للعقلاء بمجرد عقولهم التوصل إلى الصواب والنجاة وسلامة المصير من دون الاستعانة بها، فهي لطف إلهي لبني البشر يضمن هدايتهم، وذلك عون على ترشيد العقل أو الفكر، لذا عاب الله تعالى على المقلدين تقليدا أميا للآباء والأجداد وأصحاب السلطة والنفوذ، فقال الله تعالى عن عبدة الأوثان: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)[1]، وفي آية أخرى لوم ومناقشة حادة تمس الاعتبارات العقلية، والأساليب المنطقية المغلوطة، فقال الله تعالى: (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ)[2].
وعلى العكس من ذلك حين استعمال الأساليب الصحيحة، نجد الله تعالى يثني على هؤلاء الناس ويمدحهم، قال الله سبحانه بعد إيراد الكلام الشافي عن مهمة جميع الأنبياء والرسل: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ)[3]، وحسم القرآن الكريم الأمر في شأن ممارسة الحرية الدينية التي تقود إلى الحق أو إلى خلافه، فقال الله تعالى: (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)[4].
ومن هنا يظهر وَهن الشبهة الغربية القائلة: إن الإسلام دين انتشر بالسيف! كيف، ولم يجبر المسلمون أحداً من أهل الكتاب على اعتناق عقيدتهم؟! كما أن القرآن يدعو المسلمين إلى محاورتهم بالتي هي أحسن، قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ)[5]، وقد سلك الأئمة الأطهار (عليهم السلام) هذا المسلك، وفتحوا حواراً مع الزنادقة، والمُلحِدين، وأهل الكتاب، ودافعوا (عليهم السلام) عن العقيدة، وأصول الإسلام بالحجة الدامغة، والمنطق الرصين.
فعن الإمام علي(عليه السلام) في كتابه للأشتر لما ولّاه مصر: (ولَا تَكُونَنَّ عَلَيْهِمْ سَبُعاً ضَارِياً تَغْتَنِمُ أَكْلَهُمْ - فَإِنَّهُمْ صِنْفَانِ إِمَّا أَخٌ لَكَ فِي الدِّينِ - وإِمَّا نَظِيرٌ لَكَ فِي الْخَلْقِ - يَفْرُطُ مِنْهُمُ الزَّلَلُ وتَعْرِضُ لَهُمُ الْعِلَلُ - ويُؤْتَى عَلَى أَيْدِيهِمْ فِي الْعَمْدِ والْخَطَإِ - فَأَعْطِهِمْ مِنْ عَفْوِكَ وصَفْحِكَ - مِثْلِ الَّذِي تُحِبُّ وتَرْضَى أَنْ يُعْطِيَكَ اللَّه مِنْ عَفْوِه وصَفْحِه - فَإِنَّكَ فَوْقَهُمْ ووَالِي الأَمْرِ عَلَيْكَ فَوْقَكَ - واللَّه فَوْقَ مَنْ وَلَّاكَ - وقَدِ اسْتَكْفَاكَ أَمْرَهُمْ وابْتَلَاكَ بِهِمْ - ولَا تَنْصِبَنَّ نَفْسَكَ لِحَرْبِ اللَّه - فَإِنَّه لَا يَدَ لَكَ بِنِقْمَتِه - ولَا غِنَى بِكَ عَنْ عَفْوِه ورَحْمَتِه - ولَا تَنْدَمَنَّ عَلَى عَفْوٍ ولَا تَبْجَحَنَّ بِعُقُوبَةٍ)[6].