100%

حق الاعتقاد:

ونقصد من ذلك أنَّ الإسلام لا يجبر أحداً على اعتناقه، فلا توجد في القرآن الكريم آية، ولا في السُنَّة النبوية روايةً، تدل على جواز حمل أصحاب الأديان الأخرى على تركها، والدخول في دين الإسلام بالجبر والقهر، وفرض العقيدة الحَقَّة بالقوة.

بل إنَّ قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)[1]، دليل واضح على المنع من ذلك.

فإن الإكراه يفسد اختيار الإنسان، و يجعل المكره مسلوب الإرادة، فينتفي بذلك رضاه واقتناعه وإذا تأملنا قول الله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) نجد أن الإسلام رفع الإكراه عن المرء في عقيدته، وأقرّ أن الفكر والاعتقاد لا بد أن يتسم بالحرية، وأن أيّ إجبار للإنسان، أو تخويفه، أو تهديده على اعتناق دين أو مذهب أو فكر باطل ومرفوض، لأنه لا يرسخ عقيدة في القلب، ولا يثبتها في الضمير، لذلك قال تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ)[2]، وقال أيضاً: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّر* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ)[3].

كل هذه الآيات وغيرها، تنفي الإكراه في الدين، وتثبت حق الإنسان في اختيار دينه الذي يؤمن به، فحرية الاعتقاد هي ترك الاختيار لكل إنسان للتدين بأي دين شاء، وإقامة شعائر ذلك الدين بالكيفية المقررة فيه بما يتفق مع عقيدته، وقررت الشريعة الإسلامية حماية العقيدة من طريقين:

الأول: إلزام الناس باحترام حق الآخرين في اعتقاد ما شاءوا، وفي ترك ما يريدون، طبقا لعقائدهم، فليس لأحد إكراه آخر على تغيير عقيدته، أو إيذائه بسبب ممارسة عبادته.

الثاني: إلزام صاحب العقيدة نفسه أن يعمل على حماية عقيدته، والدفاع عنها، وله الحرية في أن يهاجر من وطنه إلى أي بلد آخر، إذا عجز عن حماية نفسه، ولا فرق في ذلك بين المسلم وغير المسلم، لقوله تعالى: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا)[4]، كل ذلك ضمن الإطار المتقدم الذكر والشروط الآنفة.

 

[1] سورة البقرة: آية256.

[2] سورة يونس: آية 99.

[3] سورة الغاشية: آية 21-22.

[4]سورة النساء: آية 97.