لما كان الإسلام مبنيا على أسس من التفكير العقلي السليم المستمد من فطرة الإنسان الصحيحة، فهو لذلك منظومة فكرية ترحب بالفكر وتعطي له مجالاً واسعا في عقلية المسلمين، فالعقيدة الإسلامية تمنح الإنسان حرية الفكر والتأمل والاستنباط، فإذا آمن الإنسان بأصول العقيدة فهو مسلم له ما للمسلمين وعليه ما عليهم، أما التفاصيل وقضايا العلم وشؤون الحياة، فللإنسان أن يعتمد على فكره وعقله على هدى تلك الأصول العقيدية وبشكل لا يتناقض معها، ولكي تعطي حرية الفكر نتائجها الإيجابية في تقدم مسيرة المجتمع لابد من معالجة بعض السلبيات والأمراض التي قد ترافقها، ومن أبرزها ما قد تجر إليه هذه الحرية من تفرق وصراع.
وهنا لا بد من مبادئ أخلاقية وتعاليم تربوية تجعل الحقول منفتحة والصدور متسعة لاختلاف الرأي وتعدد وجهات النظر، وهذا ما صنعه الإسلام بالتأكيد على مبدأ التسامح واحترام الرأي، فليس في الإسلام محاكم للتفتيش، ولا يحق لأحد أن يمارس دور الوصاية والرقابة على أفكار الناس ونواياهم ومشاعرهم، والانتماء إلى الإسلام والعضوية في مجتمعه لا تحتاج إلى شهادة أو قبول من أحد، وبذلك لا يمتلك أحد حق الحكم بطرد أحد من إطار الإسلام ما دام يعلن قبوله للإسلام حتى لا تتكرر مآسي التكفير والاتهام بالزندقة والمروق.
إن التكفير والاتهام بالزندقة هو مظهر للإرهاب الفكري حيث يدعي البعض لنفسه أن الإسلام ينحصر فيما يراه ويفهمه هو، وأن من يخالفه في ذلك الفهم أو الرأي والمذهب فهو كافر لا مكان له في أجواء الإسلام ومجتمعه! ولقد حذّر رسول الله صلى الله عليه وآله من أن يشهر مسلم على أخيه المسلم سلاح التكفير، فقد قال(صلى الله عليه وآله): (إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، فقلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه)[1].
وعن الإمام علي (عليه السلام) قال: (إذا قال المؤمن لأخيه: أف انقطع ما بينهما فإذا قال له: أنت كافر كفر أحدهما، وإذا اتهمه إنماث الإسلام في قلبه كما يماث الملح في الماء)[2].
وعن الإمام أبي جعفر الباقر(عليه السلام): (ما شهد رجل على رجل بكفر قط إلا باء به أحدهما، إن كان شهد على كافر صدق، وإن كان مؤمنا رجح الكفر عليه، فإياكم والطعن على المؤمنين)[3].
فقد جعل الإسلام «الحرية» حقاً من الحقوق الطبيعية للإنسان، فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، وحين يفقد المرء حريته، يموت داخلياً، وإن كان في الظاهر يعيش ويأكل ويشرب، ويعمل ويسعى في الأرض، ولقد شجع الإسلام المؤمنين على التفكير واتخاذ القرار على أساس فكري رصين، فيكون كل إنسان مسؤولاً عن قراره، باعتباره مؤهلاً لأن يفكر ويقرر، بل طبق هذا المبدأ على أهم أمر في الإسلام ليكون انموذجاً يحتذى به فيما سواه مما هو دونه، وهذا الأمر هو الإيمان بالله تعالى وشريعته وهي الإسلام، فقد قال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّيْنِ قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)[4]،فبعد أن اتضح طريق الحق لا مشكلة بعد ذلك في أن يختار الإنسان أي طريق يريد، ولكن ليكن في حسبانه أنه مسؤول عن اختياره، لذا لابد أن يكون اختياره وفق موازين صحيحة تضمن له الوصول إلى الحقيقة.
ومن هذه الآية نتعلم أمراً مهماً، وهو أن حرية الفكر والاختيار لا يمكن أن تعيش في جوّ التعتيم الفكري والإرهاب الذي يكمم العقول قبل الافواه، فلا يتمكن المؤمن - بعد ذلك - من قول الحق أو بيان حسنه، فهذا الجوّ الموبوء ليس أرضاً خصبة لحرية التفكير، بل هي لا تقود إلا إلى التطرف الفكري والشطحات السلوكية المترتبة عليه، فقوله تعالى: (قَد تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِ) ضمان وشرط لحرية الفكر في الإسلام.
ولا يخفى بأن الإسلام جعل التفكير فريضة إسلامية، ومن يتدبر القرآن الكريم يجد عشرات الآيات تأمر بالتفكر، والتعقل في الأنفُس والآفاق، فلم يضع الإسلام القيود أمام حركة الفكر السليم الذي ينشد الحقيقة، ويُثير الشك كمقدمة للوصول إلى اليقين، وقد أطلق النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) الفكر من عِقال الجاهلية، وجعله يتجاوز المحسوس بانطلاقه إلى عوالم الغيب، ليصل إلى مَا لا عَين رَأَتْ، ولا خَطَر على قلبِ بَشَر.
ولقد آمنت مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) الممثلة لحقيقة الإسلام بحرية التفكير والتعبير، لغرض الوصول إلى الحق والحقيقة، حيث عقدوا(عليهم السلام) المناظرات مع الخصوم، وشكَّلوا الحلقات التي أبرزت آراءهم في شَتَّى المجالات، فعلى سبيل المثال قام الإمامان الباقر والصادق (عليهما السلام) بدور فكري بارز، في النصف الأول من القرن الثاني الهجري، وكانت فترة استقرار نسبي وانفتاح ثقافي، فعقدوا (عليهما السلام) المناظرات مع الملاحدة، والزنادقة، وكذلك مع علماء المذاهب الإسلامية، فعن هشام بن الحكم، قال: قال لي أبو شاكر الديصاني: إن لي مسألة تستأذن لي على صاحبك، فإني قد سألت عنها جماعة من العلماء فما أجابوني بجواب مشبع، فقلت: هل لك أن تخبرني بها فلعل عندي جوابا ترتضيه فقال: إني أحب أن ألقى بها أبا عبد الله(عليه السلام)، فاستأذنت له فدخل فقال له: أتأذن لي في السؤال؟ فقال (عليه السلام) له: سل عما بدا لك، فقال له: ما الدليل على أن لك صانعا؟ فقال(عليه السلام): وجدت نفسي لا تخلو من إحدى جهتين: إما أن أكون صنعتها أنا أو صنعها غيري، فإن كنت صنعتها أنا فلا أخلو من أحد معنيين: إما أن أكون صنعتها وكانت موجودة، أو صنعتها وكانت معدومة، فإن كنت صنعتها وكانت موجودة فقد استغنت بوجودها عن صنعتها، وإن كانت معدومة فإنك تعلم أن المعدوم لا يحدث شيئا فقد ثبت المعنى الثالث أن لي صانعا وهو الله رب العالمين فقام وما أحار جوابا)[5].
وقيل إن الجعد بن درهم جعل في قارورة ترابا وماء فاستحال دودا وهوام، وقال لأصحابه: إني خلقت ذلك لأني كنت سبب كونه، فبلغ ذلك جعفر بن محمد (عليه السلام)، فقال: ليقل كم هو؟ وكم الذكران منه والإناث إن كان خلقه؟ وكم وزن كل واحدة منهن؟ وليأمر التي تسعى إلى هذا الوجه أن ترجع إلى غيره فانطلق وهرب)[6].
وفي كتاب الاحتجاج (سأل الزِّنديق أبا عبد الله(عليه السلام) كيف يعبد اللهَ الخلقُ ولم يروه؟، قال(عليه السلام): رأته القلوب بنور الإيمان، وأثبتته العقول بفطنتها إثبات العيان، وأبصرته البصاير بما رأته من حسن التركيب وإحكام التأليف، ثمَّ الرُّسل وآياتها والكتب ومحكماتها، واقتصرت العلماء على ما رأت من عظمته دون رؤيته، قال: أليس هو قادراً على أن يظهر لهم حتّى يروه فيعرفونه فيعبد على يقين؟ قال(عليه السلام): ليس للمح الجواب قال: فمن أين أثبت أنبياء ورسلا؟ قال(عليه السلام):إنا لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيما، لم يجز أن يشاهده خلقه، ولا أن يلامسوه ولا أن يباشرهم ويباشروه، ويحاجّهم ويحاجّوه، ثبت أن له سفراء في خلقه وعباده يدلّونهم على مصالحهم ومنافعهم، وما به بقاؤهم، وفي تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أن له معبرون هم أنبياء الله وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين عنه، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب، مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة والدلائل والبراهين والشواهد من: إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، فلا تخلو الأرض من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقال الرسول ووجوب عدالته..)[7].
لا يعني بطبيعة الحال إقرار الإسلام للحرية أنه أطلقها من كل قيد وضابط، لأن الحرية بهذا الشكل أقرب ما تكون إلى الفوضى، التي يثيرها الهوى والشهوة، ومن المعلوم أن الهوى يدمر الإنسان أكثر مما يبنيه، ولذلك منع من اتباعه، والإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه مدني بطبعه، يعيش بين كثير من بني جنسه، فلم يقر لأحد بحرية دون آخر، ولكنه أعطى كل واحد منهم حريته التي تناسبه، سواء كان فرداً أو جماعة، ولذلك وضع قيوداً ضرورية، تضمن حرية الجميع، وتتمثل الضوابط التي وضعها الإسلام في الآتي:
أ- ألا تؤدي حرية الفرد أو الجماعة إلى تهديد سلامة النظام العام وتقويض أركانه.
ب- ألا تفوِّت حقوقاً أعظم منها، وذلك بالنظر إلى قيمتها في ذاتها ورتبتها ونتائجها.
ج- ألا تؤدي حريته إلى الإضرار بحرية الآخرين.
وبهذه القيود والضوابط ندرك أن الإسلام لم يقرّ الحرية لفرد على حساب الجماعة، كما لم يثبتها للجماعة على حساب الفرد، ولكنه وازن بينهما، فأعطى كلاً منهما حقه.