إن مفهوم العدالة من أوسع المفاهيم شمولاً وتطبيقاً، إذ هو كمفهوم ينطوي على معاني متعددة كالحق والمساواة والإنصاف والفضيلة وحب الأخرين، وهو كتطبيق يعني فيما يعنيه التصرف وفق الأعراف والتشريعات ويحافظ على القيم الاخلاقية والقوانين المعتمدة، وتحقيق العدالة يهدف لتنظيم العلاقات بين أفراد الجماعة التي تعيش معاً .
ومفهوم الحق متعدد الدلالات حسب المجال الذي يستخدم فيه، ففي المجال المعرفي المنطقي يفيد الحق الحقيقة واليقين، أما في المجال الأخلاقي فإنه يفيد العدل والمساواة والإنصاف مما يجعل مفهوم الحق
والعدالة متداخلين في مقام التطبيق، لأن العدالة تعتمد على الحق في إرساء قواعدها.
والعدالة مرتبطة بالقيم الاجتماعية السائدة، وهي تحمي المجتمع من الانحلال والتفسخ وتسعى لجعل أفراده متساوين في غالبية الأمور الحياتية الأساسية، وعند تحققها يترابط أفراد المجتمع فينمو ويتطور المجتمع.
والإسلام عدّ العدالة مبدأً أساساً يجب تحقيقه في جميع مظاهر النشاط الإنساني، إذ يؤكد القرآن الكريم كثيراً على إقامة العدل بوصفه هدفاً في كل مجتمع إسلامي، وقد وصف العدل بثلاث كلمات هي(العدل) و(القسط) و(الميزان)، كما تكررت مادة العدل بمشتقاتها ما يقرب من ثلاثين مرة فيه، منها قوله تعالى: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[1].
ونلاحظ في زمن حكومة الإمام علي(عليه السلام)، كيف كان له الإشراف الدقيق على جميع الأمور، مثلا تعامله مع الولاة ورسائله إليهم ومراقبته لهم وحثهم على منهج التقوى والعدل، كما سوف نرى في رسائله(عليه السلام)، وأن تلك النماذج الخيرة من الرجال الذين عيّنهم ولاةً وموظفين وإن كانوا في مستوى لائق في الفكر والعمل والقدرة الإدارية والقيادية، فإن الإمام علي(عليه السلام) قد زودهم بخطط هادية، ومناهج راشدة يهتدون بها في حياتهم العملية وفي علاقاتهم مع مختلف قطاعات الأمة التي يباشرون قيادتها، فهو يُلزِم ولاته بالنصح لعباد الله وإشاعة العدل بينهم ومعاملتهم باللين والحب والتجاوز عن كل مظاهر الاستعلاء التي يغري بها المنصب غالبا والحيلولة دون تأثير ذوي النفوذ الاجتماعي في مسيرة العدالة الاسلامية على حساب القطاعات الاجتماعية الأخرى، ونحو ذلك من مستلزمات إشاعة العدل وإقامة الحق بين الناس وهذه نماذج من خططه في هذا المضمار:
- من عهده (عليه السلام) إلى محمد بن أبي بكر حين ولّاه مصر: (فاخفض لهم جناحك، وأَلِنْ لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وآسِ بينهم في اللحظة والنظرة، حتى لا يطمع العظماء في حيفك لهم، ولا ييأس الضعفاء من عدلك عليهم، فإن الله تعالى يُسائلكم معشرَ عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة، والظاهرة والمستورة، فإن يعذب فأنتم أظلم، وإن يعفُ فهو أكرم)[2].
- ووصيته (عليه السلام) إلى عبد الله بن عباس حين استخلفه على البصرة: (سع الناس بوجهك ومجلسك وحكمك، وإياك والغضب فإنه طيرة من الشيطان، واعلم أن ما قربك من الله يباعدك من النار، وما باعدك من الله يقربك من النار) [3].
- وقد بلغه(عليه السلام) أن عثمان بن حنيف واليه على البصرة دعاه بعض شخصيات أهل البصرة إلى مأدبة فخشي الإمام(عليه السلام) أن تستميله تلك الوسائل أو سواها فينحرف عن خط العدالة الإسلامية المرسوم فيميل في أحكامه أو يجور في قضائه ومعاملته للأمة، فكتب إليه كتابا جاء فيه: (أما بعد، يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها، تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننتُ أنك تجيب إلى طعام قوم، عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه، ألا إن لكل مأموم إماما يقتدي به، ويستضيء بنور علمه، ألا إن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد)[4].