100%

حق المساواة وحق التمتع بالعدل:

تعدّ العدالة واحدة من أكثر الموضوعات أهمية وشيوعاً في السلوك الاجتماعي، ويمكن أن تتخذ وجوهاً متضاربة جداً حتى ضمن المجتمع الواحد، فأينما كان هناك أناس يريدون شيئاً، ومتى ما كانت هناك موارد يراد توزيعها، فإن العامل الجوهري المحرك لعملية اتخاذ القرار سيكون أحد وجوه العدالة، وللعدالة سيادة على غيرها من المفاهيم المقاربة، كالحرية والمساواة، ذلك أنها لا تقف عند حد معين.

فالعدالة بهذا المعنى هي الخير العام الذي يستطيع تـنظيم العلاقة بين مفهومي الحرية والمساواة، إذ يكفل الموازنة بين الأطراف، ومع ذلك فإن الظلم رافق وجود الإنسان منذ بداياته، فقد ظهرت التفرقة بين الناس.

لقد بيّن القرآن الكريم أن الناس متساوون جميعاً في أصل الخِلقة، فقد قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[1]، فقضى الإسلام بذلك على عبودية البشر للبشر، واعتبرهم جميعاً مخلوقات لله تعالى، وبذلك  قضى  على كل نزعةٍ نحو الطغيان، على أساس العِرق، أو اللَّون، أو اللِّسان، وأوجد شعوراً بالمساواة بين الحاكم والمحكوم، والغني والفقير، وبين القوي والضعيف، وأصبح المقياس في الكرامة والفضل، هو التقوى، والعمل الصالح، إن الاعتقاد بمساواة البشر شرط لا بُدَّ منه لقيام العدل الذي جعله القرآن الكريم غاية النبوّات، فقال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)[2]، فكيف يقام العدل بين الجماعات إذا كانوا يعتقدون أنهم طبقات متمايزة، أو أُسَر متفاضلة؟ وقد سار الإمام علي(عليه السلام) عندما استلم دَفَّة الخلافة على خُطَى المنهج النبوي، فساوى بين الناس في التعامل وفي العطاء، وألغى كل تمايز وتفاضل فرضته السياسات السابقة عليه، فثارت ثائرة المنتفعين عليه وحاولوا إسقاط حكمه بخلق الفتن والحروب وزعزعة الأمن في أرجاء الدولة الإسلامية، وكان(عليه السلام)  يَأخذ كأحدهم، وقصته(عليه السلام) مع أخيه عقيل(رضوان الله عليه) مشهورة، حين طلب منه زيادة في عطائه، فقال(عليه السلام) له: (اِصبر حَتَّى يخرج عطائي فأواسيكه، ولولا أنه لابد للعيال من شيء لأعطيتك كله، فقال عقيل: بيت المال في يدك وأنت تسوفني إلى عطائك؟ وكم عطاؤك؟ وما عساه يكون ولو أعطيتنيه كله؟ فقال(عليه السلام): ما أنا وأنت فيه إلا بمنزلة رجل من المسلمين...)[3].

وبلغ من تمسكه(عليه السلام) بهذا الحق حَدّاً، بحيث أنه وجد في مالٍ جاءه من(اصفهان) رغيفاً، فقسمه سبعة أجزاء، كما قسم بيت المال، وجعل على كل جزء جزءاً )[4].

 

[1] سورة الحجرات: آية13.

[2] سورة الحديد: آية25.

[3] بحار الأنوار للعلامة المجلسي: ج41، ص114.

[4] أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين: ج1، ص348.