إنّ مسألة حفظ النظام هي من الأمور العقليّة التي يدركها الإنسان بفطرته، لأنّه يرى فيها حفظ مصالحه التي تتوقّف عليها حياته، ويحتاج إليها في معاشه، كما أنّ العقلاء متّفقون على أنّ حفظ النظام ضروريّ، لنفس السبب المتقدّم، من حفظ مصالح الناس، فلا نجد مجتمعاً من الناس مهما كان صغيراً، إلا ويرى ضرورة ذلك، بل ويوجهّون لومهم لكلّ من يخالف النظام العامّ، ويسبّب الفوضى في هذه المجتمعات.
ويشهد على ذلك وجدانُ كلِّ إنسان منّا، فإنّه يشعر بالانزعاج وعدم الرضا من مظاهر الإخلال بالنظام العامّ، لا سيما عندما يرتبط ذلك بأموره الشخصيّة، وبالأخص عندما تصدر من إنسان مسلم، يعيش معه ويشاركه في العقيدة والإيمان، وهو المتوقّع منه أن يكون القدوة في تطبيق تعاليم الإسلام التي ليست هي إلا نظاماً عامّاً لصلاح البشريّة جمعاء.
فالعقل البشري الفطري لو رجعنا إليه مع غض النظر عن وجود دليل من القرآن أو السنة وجدناه يحكم بضرورة حفظ النظام، فهو يدرك ضرورة حفظ الأنفس والأعراض والأموال العامة والخاصة، وأنه لابد من وجود سلطة تتحمل حماية هذه الأمور، وإلا لانهار المجتمع وطغى بعضه على البعض الآخر، وهذه المفردة أشار إليها القرآن الكريم في قوله عز وجل: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ)[1]، والفساد هنا يعني: اختلال النظام الاجتماعي.
[1] سورة البقرة: آية 204- 205.