للخلافات الزوجيَّة آثارٌ سلبيّة جدّاً على الأسرة، قد تكون أحياناً خطيرةً ومدمّرةً، ومن هذه الآثار:
1. الطلاق:
يُعتبر الطلاق من أخطر وأكبر المشاكل الناتجة عن فشل العلاقة الزوجيَّة، وهو من الأمور المكروهة في الشرع المقدَّس، فعن الإمام علي (عليه السلام): (تزوّجوا ولا تطلّقوا فإنّ الطلاق يهتزّ منه العرش)[1].
وعن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: (مرّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) برجل فقال: ما فعلت امرأتك؟ قال: طلقتها يا رسول الله، قال: من غير سوء؟ قال: من غير سوء، قال: ثم إن الرجل تزوج فمر به النبي(صلى الله عليه وآله) فقال: تزوجت؟ فقال: نعم، ثم مر به، فقال: ما فعلت امرأتك؟ قال: طلقتها، قال: من غير سوء؟ قال: من غير سوء، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عز وجل يبغض -أو يلعن- كل ذواق من الرجال وكل ذواقة من النساء)[2].
وعن أبي عبد الله الصادق(عليه السلام) قال: قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): (تزوجوا وزوجوا، ألا فمن حظ امرء مسلم إنفاق قيمة أيمة[3] وما من شيء أحب إلى الله عز وجل من بيت يعمر في الإسلام بالنكاح، وما من شيء أبغض إلى الله عز وجل من بيت يخرب في الإسلام بالفُرقة – يعني الطلاق -، ثم قال أبو عبد الله(عليه السلام): إن الله عز وجل إنما وكد في الطلاق وكرر فيه القول من بغضه الفُرقة)[4].
وللطلاق مفاسد كثيرة، منها: أنّه يمكن أن يكون سبباً لضياع الأولاد على المستوى النفسيّ والمعنويّ والاجتماعيّ؛ لأنّ الولد بحاجة دائمة إلى حنان الأمّ، ولا يمكن لأيِّ امرأةٍ أخرى أن تحلَّ محلَّ الأمّ في تربية الأطفال، وهو بحاجة -أيضاً- لظلِّ الأب الذي لا يمكن لأحد أن يعوِّضه بسهولة، هذا فضلاً عن الآثار النفسيَّة التي تطال روح الطفل جرّاء ما يشاهده من بُعْدِ أمِّه وأبيه، والشُّعور بعدم الطمأنينة التي ينبغي أن تبعثها في نفسه الأجواء الهادئة في الأسرة المستقرّة.
فالطلاق له أثره الكبير على شخصية ونفسية الأطفال مستقبلا، لأن الأطفال هم أكثر الفئات تأثرا وقت الأزمات، بسبب عدم اكتمال تطورهم النفسي والاجتماعي والإدراكي والجسدي، وإن تلك الأزمات والظروف تشكل عبئا يفوق مقدرة الطفل على التحمل، فتظهر عليه معالم المعاناة النفسية.
فحرمان الطفل من رعاية الأم وخاصة في مرحلة الطفولة لا يؤدي إلى سوء التكيف الاجتماعي فحسب وإنما يسبّب له القلق وعدم الشعور بالأمان وعدم الاكتراث بمشاعر الآخرين فضلا عن تميز سلوكه بالعنف والعداء تجاه الآخرين وصعوبة إقامة العلاقات الاجتماعية مع الآخرين مما يؤدي به إلى الانسحاب من المجتمع والشعور بالضياع والحزن والأسى مما يعود بالضرر على شخصية الطفل مستقبلا.
وأكدت بعض الدراسات على أن الطلاق قد يكون سببا في انحراف وجنوح الأحداث، ففي دراسة أجريت في بغداد من قبل مكتب الخدمة الاجتماعية في محكمة الأحداث تبين أن 82% من أسباب الجنوح ترجع إلى سوء المحيط وتصدّع الأسرة وفقدان الرعاية الأبوية.
ووجد باحثون في مركز الدراسات السياسية للأسرة في بريطانيا من خلال مقابلتهم لـ(152) طفلا ممن تراوحت أعمارهم ما بين (9-14) سنة ومتابعتهم لمدة تصل إلى عامين دراسيين إلى أن الأطفال الذين ينتمون إلى آباء مطلّقين يكونون بحاجة إلى مساعدة نفسية، وأنهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض النفسية والجسمية فضلا عن ضعف أدائهم الدراسي.
اَللَّحْظَةُ اَلْمَشْؤُومَةُ:
قد تصل الأمور في نظر أحد الزوجين أو كليهما إلى الطريق المسدود ويحدث الطلاق، وعندما ينفرط عقد الأسرة ويذهب كلّ في طريقه حينئذ يقف الأطفال في مفترق الطريق لا يعرفون أين ستكون وجهتهم ومع من يذهبون! عيونهم على الأب وقلوبهم مع الأم، وفي تلك اللحظة المشؤومة، (لحظة الطلاق)، يحدث ذلك التمزق العاطفي في أعماق الأطفال.
ولا يقتصر الطلاق والانفصال بين الزوجين فقط، بل إن الأمر يتعدى إلى الأطفال أيضاً، فلا بد أن يعرف الوالدان بأن شيئاً ما قد مسّ العلاقة بينهما وبين أبنائهما، ولا بد أن يشعر الأب أو الأم بأن أطفالهما لم يعودا ملكاً خاصاً بهما، فلكلٍّ نصيبه في ذلك.
أما الأطفال فإنهم ينتظرون لقاءهم مع الوالدين كما لو كانوا في مهمة رسمية، حيث تتولى المحاكم ترتيب هكذا لقاءات، ولا ينبغي أن نعتبر ذلك أمراً طبيعياً لدى الطفل بأن يمر من دون أن يحدث آثاره في نفسيته، بل لا بد وأن تظهر في المستقبل تداعيات مختلفة نتيجة لذلك.
اَلْآثَارُ اَلنَّفْسِيَّةُ:
ليس من الإنصاف أن يحترق الأطفال بنار نزاعاتكم، وليس من العدل أبداً أن يشعروا بالمرارة والحرمان وهم في هذه السنّ المبكّرة حيث كل شيء بالنسبة لهم هو مجرد عالم وردي جميل وأطياف ملوّنة.
إن الأطفال الذين ينشأون في أسرة مضطربة قلقة يسودها النزاع لا بد وأن يشبّوا مهزوزين نفسياً، يطل من عيونهم البريئة إحساس بالرعب وشعور بالحرمان، حتى لو حاول الوالدان تقديم النصائح لهم فإن ذلك سوف يكون عديم الجدوى.
اَلِابْتِعَادُ عَنِ اَلْأمِّ:
ربما يتحمل الطفل بُعده عن والده، أما أن يجد نفسه بعيداً عن أمّه، ذلك الحضن الدافئ والصدر الحنون، فإن ذلك سيكون بالنسبة له كارثة لا يمكن تحملها أبداً؛ ذلك أن الطفل يهرع إلى أحضان أمّه لدى أقل إحساس بالخطر وعندها يشعر بالأمن والطمأنينة تغمران قلبه، وعندما يواجه الطفل عدواناً ما فإنه يسرع باللّجوء إلى والدته وتقديم شكواه ضد ذلك الظلم الذي حاق به؛ إذن لا يمكن للطفل أن يتحمّل بُعده عن أمّه وافتقاده لحنانها؛ لأنه في هذه الفترة من عمره يحتاج إلى البناء العاطفي أكثر من أي شيء آخر، ولو حصل وافتقد حنان أمّه جرّاء حادث ما فإنه سوف يعكس في نفسه آثاراً وتراكمات ومضاعفات تؤثر تأثيراً بالغاً في تكوينه الأخلاقي والروحي ، ولقد أثبتت الدراسات بأن أكثر من 80% من الاضطرابات العاطفية والنفسية لدى الأطفال إنما نشأت بسبب بعدهم أو فقدهم لأمّهاتهم، سواء أكان موتاً أو طلاقاً بل وحتى سفراً طويلاً.
نعم إن المشكلة الكبرى هي الطلاق، ذلك أنها تحرم الطفل من ذلك النبع الفياض بالحب والحنان، وإنه لنوع من الأنانية أن يسعى كل من الزوجين إلى حلّ مشكلاتهما عن طريق الطلاق دون أن يحسبا أي حساب للمشاكل المعقدة التي سوف تواجه أطفالهما من جرّاء ذلك، ولا يمكن للطفل أبداً أن يغفر لوالديه ما سبّباه له من بؤس وحرمان.
اَلضَّيَاعُ:
ينشد الأطفال بطبعهم وفطرتهم المكان الآمن المفعم بالاستقرار لكي ينموا ويكبروا، فهناك إحساس فطري بالخطر، ولذا فإنهم يجدون الطمأنينة في أحضان والديهم، أما عندما يحدث الطلاق وينفرط عقد الأسرة فإنه يغمرهم إحساس بالضياع، يجتاح تلك القلوب الصغيرة، وعندها يجد الأطفال أنفسهم بلا معين وتُملؤ نفوسهم بمشاعر المهانة والإذلال، ذلك أن أيّ أحد من الناس مهما كان، لا يمكن أن يحل محل الأم أو الأب في رعايتهم والعطف عليهم وتربيتهم التربية اللائقة.
وإنه نوع من القسوة عندما يُقْدِم الزوجان على الطلاق وتدمير ذلك العش الدافئ الذي ينعم به أطفالهم وتشريدهم هنا وهناك وتعريضهم إلى خطر الضياع والانحراف.
2. اَلْعُنْفُ اَلْأُسَريُّ:
إنّ الخلافات الحادّة بين الزوجين غالباً ما تكون سبباً لبروز ما يُسمّى بالعنف الأسري، الذي يظهر من خلال استخدام العنف، والاعتداء بالضرب، خصوصاً على الزوجة، وقد يصل الأمر في بعض الأحيان ليطال الأطفال أيضاً، حيث إنّ بعض الأزواج قد يُظهر توتّره من شريكه عبر ضرب أطفاله والتعامل السيء معهم.
أمّا الإسلام فلم يُجِزْ العنفَ في الأسرة، بل نهى عنه بشدّة، ففي الرواية عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): (إنّي لَأتَعَجَّبُ مِمَّن يَضْرِبُ امرَأتَهُ وهُو بِالضَّرْبِ أَوْلى مِنها)[5].
وعن الإمام علي(عليه السلام) في ما أوصى به ابنه الحسن(عليه السلام): (ولا يَكُنْ أهْلُكَ أشْقَى النّاس بك)[6].
3. المَشَاكِلُ الاجْتِماعِيَّةُ:
إنّ الأسرة التي تعاني من تصدّع في أركانها، ستعاني الكثير من المشاكل الاجتماعية مع محيطها وخاصّة في ناحيتين أساسيّتين:
أ - مَشَاكِلٌ مَعَ الأَقَارِبِ:
من الصعب جدّاً أن نُفكِّك بين المشاكل التي تنشأ في البيت الزوجي وبين المشاكل العائلية، إذ غالباً ما تنسحب هذه المشاكل من داخل البيت إلى المحيط العائلي ليطال أقرباء كلٍّ من الزوجين أيضاً. فالمشاكل الزوجية غالباً ما تكون أرضية خصبة لتدخّلات الأهل والأقارب القريبين والبعيدين، وهذا ما يؤدّي إلى تعقيد الأمور وزيادة الطين بلّة.
ب- مَشَاكِلٌ في العَمَلِ:
المشاكل العائلية غالباً ما تكون سبباً لبروز المشاكل على الصعيد العملي والوظيفيّ للإنسان، فالتوتّر العائلي سوف ينعكس على نفسية الإنسان، وبالتالي على استقراره الذهنيّ والمعنويّ، خصوصاً أوقات العمل التي يكون فيها الإنسان بأمسّ الحاجة إلى الصفاء والتركيز، وبطبيعة الحال، فإنّ مثل هذه البيئة المسبوقة بالقلق والتشنّج الفكريّ والنفسيّ لن تكون محيطاً يساعد على الإبداع والعطاء وجودة الإنتاج، بل على العكس تماماً سوف تؤدّي بيئة كهذه إلى الوقوع في مشاكل كثيرة قد لا تُحتمل أحياناً.
إذن، المشاكل الاجتماعية الناتجة عن المشاكل الزوجية أمر واقع لا يمكن تجاهله، وهي سرعان ما تظهر عند حصول الخلافات داخل الأسرة، وهذا ما يدلّنا على أنّ وضع الأسرة مرتبط بالمجتمع ارتباطاً وثيقاً وقويّاً.