100%
الزواج حقوق وواجبات متبادلة

حدودُ النَّظرِ إلى المَخْطُوبةِ

حدودُ النَّظرِ إلى المَخْطُوبةِ:

من أروع ما جاء به الإسلام هو الوسطية في كل أحكامه، وعدم الميل في جانبي الإفراط والتفريط، وهذه الوسطية ضمنت له النجاح في جميع المجالات، ومن تطبيقات هذه الفكرة العامة ما يوجد في هذا الموضوع أيضاً، إذ ضمن الإسلام للمتزوج الحق في الإقدام على الاقتران بامرأة مع الاطلاع على جميع ما يهمّه من أمرها، سواء من الجانب الجسدي أو الأخلاقي والاجتماعي، ولما كان ما يتعلق بجانب الجسد والنظر إليه يصطدم مع ثوابت هذا الدين من حيث حجاب المرأة وعدم سماح الشريعة لها بكشف جسدها للأجنبي، وعدم التزين أمامهم، ولكن مع ذلك فلأهمية أمر الزواج وضمان حق الزوج المشار إليه فقد استثنى الشارع هذا الأمر من الحكم السابق وأباح للشخص المُقدِم على الزواج أن يرى المرأة بشكل يظهر له مفاتنها، ولكن لابد أن يُعلم أن هذا الحق للزوج لا يجوز استخدامه لأجل التلهّي والاطلاع على أعراض الناس، بل لابد أن يكون آخر حلقة في سلسلة الزواج، بحيث تكون الأطراف متّفقة على جميع الخصوصيات إلا ما لا يعلم إلا من خلال الرؤية، بل قد يستغنى عن هذه الفقرة أيضاً باطلاع النساء من ذوي المتزوّج على الفتاة، وذكر مفاتنها له، أو تقييمها بشكل عام، وإعطاء النتيجة له من دون الدخول في التفاصيل، وقد تكون هذه الطريقة أكثر إيجابية لخبرة النساء بعضهن ببعض، ومقدرتهن بالفحص بشكل حرّ أكر من الرجل.

ففي الحديث الشريف: عن يونس بن يعقوب قال: قلت لأبي عبد الله الصادق(عليه السلام): (الرجل يريد أن يتزوج المرأة، يجوز له أن ينظر إليها؟ قال: نَعَمْ، وتُرَقِّقُ لَهُ الثِّيابَ؛ لأَنَّهُ يُريد أَنْ يَشْتَرِيها بِأَغْلى الثَّمَنِ)[1]، وعنه(عليه السلام) قال: (لَا بَأْسَ بِأَنْ يَنْظُرَ إِلى وَجْهِهَا وَمَعَاصِمِهَا إِذَا أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا)[2]، وسُئِل الإمام الصادق(عليه السلام): (أينظر الرجل إلى المرأة يريد تزويجها؟ فينظر إلى شعرها ومحاسنها؟ قال: لَا بَأْسَ بِذلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَلَذِّذاً)[3].

ويرى أكثر فقهاء أهل السنة أن للخاطب أن ينظر إلى من يريد خطبتها في حدود الوجه والكفين فقط، وأضاف أبو حنيفة جواز النظر إلى قدميها أيضاً، أما فقهاء الشيعة –تبعا لروايات أهل البيت(عليهم السلام)–
فيرى أكثرهم أنه: (يجوز لمن يريد تزويج امرأة أن ينظر إلى وجهها وكفيها وشعرها ومحاسنها، بل لا يبعد جواز النظر إلى سائر جسدها ما عدا عورتها، وإن كان الأحوط استحبابا خلافه، ولا يشترط أن يكون ذلك بإذنها ورضاها، نعم يشترط أن لا يكون بقصد التلذذ، وإن علم أنه يحصل بنظرها قهراً، ويجوز تكرار النظر إذا لم يحصل الغرض وهو الاطلاع على حالها بالنظر الأول)[4].

ويحدث في بعض الحالات أن يتزوّج الرجل من امرأة لم تسبق له رؤيتها، فإذا ما رآها لم توافق ذوقه، وحينئذٍ إما أن يقبلها على عدم ارتياح منه، وإما أن يتركها بعد العقد عليها، مما يوجب لها حرجاً وانكساراً عاطفياً، وحتى لا يقع مثل ذلك أباح الشارع رؤية الفتاة لمن يريد تزوّجها، كما أجاز للفتاة أن تراه أيضاً، كما هو رأي جمع من الفقهاء، فقد نقل السيد الخوئي رأي الشيخ الأنصاري: (وهو جواز نظر المرأة أيضاً إلى الرجل الذي يريد تزويجها)[5]، بل في المستند أنه صريح جماعة لاتحاد العلة، بل الأولوية حيث أن الرجل يمكنه الطلاق لو لم يستحسنها بخلاف الزوجة.

 

[1] وسائل الشيعة، الحر العاملي: ج20، ص90.

[2] وسائل الشيعة، الحر العاملي: ج20، ص88.

[3] المصدر السابق.

[4] العروة الوثقى، السيد اليزدي: كتاب النكاح، مسألة26.

[5] شرح العروة الوثقى، السيد الخوئي: ج32، ص20.