مَرّ عهد، الصبا ورحلت أيامه المفعمة طهراً وصفاءً، وانتهى عهد الدلال ورعاية الوالدين وتضحياتهما، مَرّ كل هذا دون عودة كحلم ورديّ، وها نحن نعيش مرحلة أخرى، وعهداً زاخراً بالمسؤوليات الجسام، إنها مرحلة التأمل والتدبّر والتكامل.. مرحلة تتطلب منا أن نقف على أقدامنا ونفكر في المستقبل، ومن المؤكد جداً أننا إذا لم نفكر بأنفسنا ومن أجل أنفسنا فإنه لا يوجد من يفكر نيابة عنا ويتحمل مسؤولياتنا.
إن أعباء الحياة الجسام وطول الطريق يدفعنا إلى التفكير والبحث عن شريك يخفف عنا قدراً من تلك الأعباء، شريك يتحمل معنا مصاعب الطريق ومتاعب الحياة، إنسان يشاركنا حلاوة الحياة ومرارتها، إنسانٍ يحس بنا ويتفهمنا، يفرح لفرحنا ويحزن لحزننا، إنسانٍ يقوم بدور المنقذ إذا ما هاجمتنا أمواج الحياة، وأخيراً: شريكٍ في كل شيء، ومن أجل كل شيء، شريك ورفيق درب يبدد بأنسه وحشة الطريق.
والزواج هو الوسيلة الوحيدة لتشكيل الأسرة، وهو الارتباط المشروع بين الرجل والمرأة، وهو طريق التناسل والحفاظ على الجنس البشري من الانقراض، وهو باب التواصل وسبب الأُلفة والمحبة، والمعونة على العفّة والفضيلة، فبه يتحصّن الانسان من جميع ألوان الاضطراب النفسي، والانحراف الجنسي، ومن هنا كان استحبابه استحباباً مؤكدّاً، قال تعالى: (وأَنكِحوا الأيامى مِنكُم والصالِحينَ من عِبادِكُم وإمائِكُم إن يكونُوا فُقراء يُغنِهم اللهُ مِن فَضلهِ واللهُ واسعٌ عليمٌ)[1] وقال عز من قائل: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[2].
فقوله تعالى: (مِّنْ أَنفُسِكُمْ): أي من جنسكم، والغاية هي السكينة الروحية والهدوء النفسي، وحيث إن استمرار العلاقة بين الزوجين خاصة، وبين جميع الناس عامة، يحتاج إلى جذب قلبي وروحي، فإن الآية تعقّب على ذلك مضيفة (وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً).
إن القرآن - في هذه الآية - جعل الهدف من الزواج الاطمئنان والسكينة.
والحق أن وجود الأزواج مع هذه الخصائص هو أساس الاطمئنان في الحياة، وهو أحد مواهب الله العظيمة.
وهذا السكن أو الاطمئنان ينشأ من أن هذين الجنسين يكمل بعضهما بعضا، وكل منهما أساس النشاط والنماء لصاحبه.
ومن هنا يمكن الاستنتاج بأن الذين يهملون هذه السنة الإلهية وجودهم ناقص، لأن المرحلة التكاملية بينهما متوقفة، إلا أن توجب الظروف الخاصة والضرورة في بقائهم عزاباً.
ووردت روايات عديدة عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته (عليهم السلام) تؤكد هذا الاستحباب، فعن أمير المؤمنين(عليه السلام): (تَزَوَّجُوا فَإِنَّ رَسُولَ الله (صلى الله عليه وآله)
قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَّبِعَ سُنَّتِي فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِيَ التَّزْوِيجَ)[3].
وللزواج تأثيرات إيجابية على الرجل والمرأة وعلى المجتمع، فهو الوسيلة للإنجاب وتكثير النسل، قال النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله): (تَنَاكَحُوا تَكْثّروُا ، فَإنِّي أُبَاهِي بِكُمُ اَلْأُمَمَ ، حَتَّى بِالسّقَطِ)[4].
وقال(صلى الله عليه وآله): (مَا يَمْنَعُ الْمُؤْمِنَ أَنْ يَتَّخِذَ أَهْلًا، لَعَلَّ اللهُ أَنْ يَرْزُقَهُ نَسَمَةً تُثْقِلُ الْأَرْضَ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ)[5].