النهروان

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وصلى الله على خاتم الأنبياء والمرسلين أبي القاسم محمد وآله الطيبين الطاهرين.

عن النبي (صلى الله عليه وآله): (يا علي ستقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين)[1].

إن المتصفح لتاريخ الحركات الإصلاحية سواء كانت من قِبل الأنبياء والمرسلين أو من غيرهم، يجد أن هناك تفاوتاً فيما بينها من حيث تحقيق أهدافها، ولعل هذا التفاوت ناشئ من جهة المجتمع الذي قامت فيه، ومدى تقبل ذلك المجتمع لها من حيث إيمان الأفراد بمبادئها وقيمها وهذا هو المهم ـ الإيمان بالهدف والفكرـ لأنه هو الذي يصنع النجاح والاستمرارية للحركة، وكلما كان الإيمان بالفكرة والهدف كبيراً كلما كان النجاح مضموناً، هذا من جهة.

ومن جهة أخرى نلاحظ أن درجة الإيمان بين الأتباع متفاوتة فهناك من يكون في أعلى مستوى من الإيمان وهناك من يكون في أدنى مستوى، كما نجد أن هناك من يُعدّ من الأتباع والمناصرين إلا أنه لا يحمل من أهداف الحركة ومبادئها شيئاً وإنما له أهدافه الخاصة غير أنه وجد المصلحة في هذا العمل، كما نجد أن هناك من هو في ضمن الأتباع إلا أنه يعمل لفئة أخرى مباينة لهذه الحركة.

وبعبارة أخرى إن إيمان الأتباع يشكل عنصراً وعاملاً مهماً في نجاح واستمرارية الحركة وصيانتها، وعلى مدى التأريخ نجد أن هناك من بقي ثابتاً وملتزماً بمبادئ حركة المصلحين، وهناك من غيّر وبدّل وانحرف عن المسار الصحيح لها بعد وفاة أو استشهاد أو غياب قائد الحركة، سواء كان من الأنبياء والرسل أم من غيرهم، ومرجع ذلك إلى مدى إيمان الأتباع وانصهارهم في قيم ومبادئ هذه الحركة، فمثلاً نجد أن قسماً من قوم موسى (عليه السلام) بدلوا وغيروا بعد غياب نبيهم موسى(عليه السلام) عنهم لأيام ولم ينصاعوا لمن خَلَّفه عليهم وأمرهم بطاعته: (...وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيُّ* فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفاً قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي)[2]، وكذلك نجد فئة من قوم عيسى المسيح (عليه السلام) غيروا وانحرفوا عن المسار الصحيح الذي أرساه لهم نبيهم عيسى (عليه السلام) فبعد أن روّج الأعداء قتل عيسى (عليه السلام) وأقنعوهم بذلك لم يبق منهم إلا القليل فقد انحرف مسار الحركة التصحيحية للمسيح عن المسار المرسوم له، قال تعالى: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ* كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ)[3].

والأمة الإسلامية لم تكن بمعزل عن هذا الشيء فقد شملتها هذه السنة أيضا ولم ينفع تحذير النبي (صلى الله عليه وآله) للأمة من الانحراف والانجرار والتبديل فنجد أنه لم يدخر وسعاً في هذا المجال فكان دائم التوجيه والبيان للأمة من أن تكون شبيهة للأمم السالفة فكانت معظم جهوده مركزة على صنع رجال يحملون المسؤولية ويصمدون أمام التحديات والشبهات التي يثيرها الأعداء والمنافقين فكان يحذر من الانقسام وإتباع الهوى والانقلاب على الأعقاب كما أوضح ذلك جلياً القرآن الكريم في قوله تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)[4]. وكان  يبين للأمة الإسلامية أن عليها اختيار ما اختاره لهم الله تعالى كما في قوله سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً)[5]، وأوضح ذلك بعدة مناسبات كقوله : (إن أمة موسى افترقت إحدى وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار، وإن أمة عيسى افترقت اثنين وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار، وإن أمتي ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، فرقة ناجية والباقون في النار)، وقوله: (لتتبعن سنن مَن كان قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو أن أحدهم دخل جحر ضب لدخلتموه! قالوا: فاليهود والنصارى يا رسول الله؟ قال فمن إذن؟!)[6]، ولم يكتف  بالتحذير عن الانحراف والانقلاب فقط بل سد الطريق أمام الانقسام والانحراف بخطوات عملية مهمة، ذلك أنه  نصب وعيّن بأمر من الله تعالى القيادة من بعده بأمر لا يشوبه الغموض، ابتداءً من نزول الوحي واستمر إلى قرب أجله، منها حديث الدار: (إن هذا أخي، ووصي، وخليفتي فيكم، فاسمعوا له وأطيعوا)، ومنها قوله لبعض القبائل عندما دعاهم إلى الإسلام فأرادوا الأمر من بعده لهم، حيث ردهم قائلاً: (الأمر لله يضعه حيث يشاء)، ومنها وصيته للمسلمين في غزوة بني قريظة، وغيرها الكثير الكثير وختمها حين طلب من المسلمين آنذاك كتفاً ودواة، قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس؟! يوم أشتد برسول الله وجعه فقال: (إيتوني بدواة وبياض أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً)، فتنازعوا ـ ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ـ فقال عمر: إنّ النبيّ يهجر ـ وفي حديث آخر: (إنّه ليهجر)، وفي ثالث: (إنّه هجر) ـ ثمّ قال: عندنا القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف مَن في البيت، واختصموا فمن قائل يقول: القول ما قال رسول الله، ومن قائل يقول: القول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللغط واللغو، وتمادى القوم في نزاعهم، غضب رسول الله  فقال: (قوموا عني، لا ينبغي عند نبيّ تنازع)، فقاموا، فكان ابن عباس (رضي الله عنه) بعد ذلك يقول: (الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، لولا مقالته ـ يعني مقالة عمر ـ لكتب لنا كتاباً لم تختلف أمته بعده ولم تفترق)، ولعل حالة المجتمع من عدم رسوخ الإيمان بالإسلام عند البعض وعدم الوضوح في الرؤية واحدة من المصائب التي منيّ بها الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، فلم يكن المجتمع آنذاك ينظر إلى الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) بأنه إمام مفترض الطاعة، وهذا يتضح جداً إذا ما عرفنا أنه (عليه السلام) كان ينهى عن أمور مبتدعة فلا يطاع، كما هو الحال في نهيه عن صلاة التراويح المبتدعة، فقد روى البخاري في صحيحه، ج2، ص252 عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ليلة في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط فقال عمر إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم قال عمر: نعم البدعة هذه! فاعترف كما ترى بأنها بدعة، وقد شهد الرسول(صلى الله عليه وآله) أن كل بدعة ضلالة، وقد روي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما اجتمعوا إليه بالكوفة فسألوه أن ينصب لهم إماماً يصلي بهم نافلة شهر رمضان، زجرهم وعرفهم أن ذلك خلاف السنة فتركوه واجتمعوا لأنفسهم وقدموا بعضهم فبعث إليهم ابنه الحسن (عليه السلام) فدخل عليهم المسجد ومعه الدرة فلما رأوه تبادروا الأبواب وصاحوا (وا عمراه!)، فأنت تلاحظ أن هؤلاء لو كان لديهم عمق إيماني ومعرفة بحقوق الإمام (عليه السلام) وأنه منصب من قِبل الله تعالى لما كان هذا فعلهم.

ظهور الخوارج:

إن ظهور الخوارج في مناسبة حرب صفين لم يكن أمراً عفوياً، وليد ساعته، وإنما كان ثمة أجواء ومناخات، وكذلك عوامل وأسباب ساعدت على ظهورهم.

والخوارج فرقة ظهرت في النصف الأول، من القرن الأول الهجري، وبالتحديد في مناسبة حرب صفين التي كانت في سنة37هـ، والتي دارت رحاها بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، الخليفة الشرعي بكل ما لهذه الكلمة من معنى، من جهة، وبين معاوية بن أبي سفيان، الرجل الباغي الذي كان يحاول الاستئثار بأمر الأمة لنفسه، من جهة أخرى، وكان ظهورهم ـ العلني ـ بعد خدعة رفع المصاحف في تلك الحرب، من قبل جيش معاوية، بمشورة من عمرو بن العاص، بعد أن اتضح بما لا يقبل الشك حتمية هزيمة جيش الشام، لو استمرت الحرب، وقد أحدثت هذه الخدعة زلزالاً في جيش الإمام علي (عليه السلام)، حيث أدت إلى إجابة أكثر ذلك الجيش إلى حكم المصحف ـ على حد تعبيرهم ـ وبقي (عليه السلام) مع أهل بيته (صلوات الله وسلامه عليهم) في عدة يسيرة، يواجهون تهديدات أولئك الانفصاليين بنفس المستوى أو أشد من التهديد الذي كان يواجههم به جيش أهل الشام، ولم يكن يحق له (عليه السلام) أن يلقي بهذه الصفوة إلى التهلكة، كما ذكره (عليه السلام) في احتجاجه على الخوارج حين قال لهم: (.. وأما قولكم: إني لم أضربكم بسيفي يوم صفين، حتى تفيئوا إلى أمر الله، فإن الله عز وجل يقول: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، وكنتم عدداً، وأنا وأهل بيتي في عدة يسيرة)[7].

تاريخ المعركة: 9 صفر 38هـ.

عدد قتلى الخوارج:

إن عدد الخوارج الذين قتلوا في النهروان كان يتراوح ـ بحسب اختلاف المصادر ـ ما بين الألف وخمسمئة قتيل، وعشرة آلاف، ورقم الأربعة آلاف هو المرجح من بين تلك الأقوال لدى عدد من المؤرخين[8].

احتجاجات علي (عليه السلام) ورجوع قسم من الخوارج:

لقد كانت احتجاجات الإمام علي (عليه السلام) وأصحابه على الخوارج كثيرة، وكانت لها آثارها الإيجابية الكبيرة.. حيث رجع منهم الألوف التي قد تصل إلى العشرين ألفاً حسب بعض النصوص[9]، ويقال: إنه بعد أن احتج عليهم ابن عباس: رجع عبد الله بن الكواء في ألفي رجل، وبقي الباقون.

زعيم الخوارج:

وأمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي، ثم سمّوا الراسبية.

سيرة الخوارج:

ثم أخذوا في الفساد، فأخذوا الأموال وسفكوا الدماء، ومروا بالمدائن ولقيهم عبد الله بن خباب... إلى أن يقول النص: (فقتلوه، وبقروا بطن امرأته، وقتلوا نسوة، وولداناً، فخرج إليهم، وقال: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا، ونحن تاركوكم، فأبوا عليه، وثاروا به، فتهيأ الإمام علي (عليه السلام) لقتالهم، ودعا المسلمين إليهم، فقتلهم بالنهروان)[10]، وقد قتلوا حتى رسل الإمام علي (عليه السلام) إليهم، وهو أمر يرفضه الوجدان الإنساني، وجريمة يأنف من ارتكابها حتى أهل الجاهلية.. بل قتلوا النساء والأطفال، الأمر الذي يربأ بنفسه من ارتكابه حتى أحط الناس وأرذلهم.

النبي (صلى الله عليه وآله) يخبر:

فقد روي عن أبي كثير مولى الأنصار، قال: كنت مع سيدي، علي بن أبي طالب  [(عليه السلام)]، حيث قتل أهل النهروان، فكأن الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم فقال [الإمام] علي (عليه السلام): يا أيها الناس، إن رسول الله  قد حدثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرميّة، ثم لا يرجعون فيه أبداً، حتى يرجع السهم على فوقه، وإن آية ذلك: أن فيهم رجلاً أسود، مخدج اليد، أحد ثدييه كثدي المرأة، لها حلمة كحلمة ثدي المرأة، حوله سبع هلبات، فالتمسوه فإني أراه فيهم، فالتمسوه، فوجدوه إلى شفير النهر، تحت القتلى، فأخرجوه، فكبر الإمام علي [(عليه السلام)]، فقال: الله أكبر، صدق الله ورسوله، وإنه لمتقلد قوساً له، عربية، فأخذها بيده، فجعل يطعن بها في مخدجيه، ويقول: صدق الله ورسوله، وكبر الناس حين رأوه، واستبشروا، وذهب ما كانوا يجدون[11].

والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين.

 

لتحميل الملف اضغط هنا


[1] الخصال للشيخ الصدوق ص574.

[2] طه: 85-86.

[3] المائدة: 78-79.

[4] آل عمران: 144.

[5] الأحزاب: 36.

[6] الشيخ الطوسي، الرسائل العشر، ص127.

[7] تأريخ اليعقوبي ج2 ص192.

[8] علي والخوارج للسيد جعفر مرتضى العاملي ج1 ص 171.

[9] علي والخوارج للسيد جعفر مرتضى العاملي ج1 ص146.

[10] راجع كشف الغمة: ج1، ص265 و267.

[11] مسند أحمد ج1، ص88.