كراماته (عليه السلام)

كما اختار ربنا من بني إسرائيل اثني عشر نقيباً، اختار لهذه الأمة اثني عشر إماماً هادياً إليه بإذنه، ذرية بعضها من بعض واللـه سميع عليم، أوَليس الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته؟ فقد كان الإمام (عليه السلام)  أفضل خلق الله  في زمانه، ولذلك اصطفاه الله لهذا المنصب الإلهي العظيم.

وهكذا كان الإمام (عليه السلام) عبداً لله قد وقر قلبه الإيمان باللـه ومعرفته، وأحب اللـه، وسلّم له أمره، فأحبه اللـه، ورفعه مقاماً علياً، وكان عند ربه مرضياً، وما الكرامات التي ظهرت على يديه إلاّ آية بينة لمدى حب اللـه له، وبالتالي لمدى حبه لله، وتسليمه له ورضاه بما قدّر له وقضى، وهذه جملة من كراماته (عليه السلام).

الولاية التكوينية:

* عن أحمد بن محمّد السيّاري، قال حدثني غير واحدٍ من أصحابنا قال: خرج عن أبي الحسن الثالث (الهادي) (عليه السلام) أنّه قال: (إنّ الله جعل قلوب الأئمّة مورداً لإرادته، فإذا شاء اللهُ شيئاً شاؤوه، وهو قول الله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ..[1])[2].

* عن محمّد بن سنان الزاهري قال: كان أبو الحسن (الهادي) عليّ بن محمّد (عليه السلام) حاجّاً ولمّا كان في انصرافه إلى المدينة وجد رجلاً خراسانيّاً واقفاً على حمارٍ له ميّتٍ، وهو يبكي ويقول: على ماذا أحمل رَحْلي، فاجتاز (عليه السلام) به فقيل له: هذا الرجل الخراساني ممّن يتولاّكم أهلَ البيت، فدنا (عليه السلام) من الحمار الميّت فقال: (لم تكن بقرة بني إسرائيل بأكرمَ على الله تعالى منّي، وقد ضربوا ببعضها الميّتَ فعاش، ثمّ وكزه برِجْله اليُمنى وقال (عليه السلام): قُمْ بإذن الله)، فتحرّك الحمار ثمّ قام، فوضع الخراسانيُّ رَحْلَه عليه وأتى به إلى المدينة.. وكلّما مرّ صلوات الله عليه أشاروا إليه بإصبعهم وقالوا: هذا الذي أحيى حمار الخراسانيّ)[3].

* عن ابن عيّاش قال: حدّثني عليّ بن محمّد المقعد قال: حدّثني يحيى بن زكريّا الخُزاعيّ، عن أبي هاشم الجعفري قال:

خرجتُ مع أبي الحسن (الهادي)(عليه السلام) إلى ظاهر « سُرّ مَن رأى » نتلقّى بعض الطالبيّين، فأبطأ حرسه، فطُرح لأبي الحسن(عليه السلام) غاشية السَّرج فجلس عليها، ونزلتُ عن دابّتي وجلست بين يديه وهو يحدّثني، وشكوتُ إليه قصور يدي، فأهوى بيده إلى رملٍ كان عليه جالساً، فناولني منه أكفّاً وقال(عليه السلام): (إتِّسعْ بهذا يا أبا هاشم واكتم ما رأيت)، فخبّأتُه معي ورجعنا، فأبصرته فإذا هو يتّقد كالنيران ذهباً أحمر، فدعوت صائغاً إلى منزلي وقلت له: اسبكْ لي هذا، فسبكه وقال: ما رأيتُ ذهباً أجودَ منه وهو كهيئة الرمل فمِن أين لك هذا ؟ فما رأيتُ أعجبَ منه)[4].

إِخباره(عليه السلام) بالمغيبات:

عن الطيب بن محمد بن الحسن بن شمون قال: ركب المتوكل ذات يوم وخلفه الناس وركب آل أبي طالب إلى أبي الحسن (عليه السلام) ليركبوا بركوبه فخرج في يوم صائف شديد الحر، والسماء صافية ما فيها غيم، وهو (عليه السلام) معقود ذنب الدابة بسرج جلود طويل وعليه ممطر وبرنس، فقال زيد بن موسى بن جعفر لجماعة آل أبي طالب انظروا إلى هذا الرجل يخرج مثل هذا اليوم كأنه وسط الشتاء، قال: فساروا جميعا فما جاوزوا الجسر ولا خرجوا عنه حتى تغيمت السماء وأرخت عزاليها كأفواه القرب، وابتلت ثياب الناس، فدنا منه زيد بن موسى بن جعفر وقال: يا سيدي، أنت قد علمت أن السماء قد تمطر فهلا أعلمتنا فقد هلكنا وعطبنا)[5].

وروى المعلّى بن محمّد البصري، عن أحمد بن محمّد بن عبد الله قال: كتب محمّد بن الحسين بن مصعب إلى أبي الحسن(الهادي) يسأله عن السجود على الزجاج؟ قال: فلمّا نفذ الكتاب قلت في نفسي: إنّه ممّا تُنبت الأرض وإنّهم قالوا لا بأس بالسجود على ما أنبتت الأرض، قال: فجاء الجواب: (لا تسجْد، وإن حدّثتك نفسك أنّه ممّا تُنبت الأرض؛ فإنّه من الرمل والملح، والملح سبخ والسبخ بلدٌ ممسوخ)[6].

عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ خَيْرَانَ الأَسْبَاطِيِّ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ(عليه السلام) الْمَدِينَةَ فَقَالَ لِي: (مَا خَبَرُ الْوَاثِقِ عِنْدَكَ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ خَلَّفْتُه فِي عَافِيَةٍ، أَنَا مِنْ أَقْرَبِ النَّاسِ عَهْداً بِه، عَهْدِي بِه مُنْذُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، قَالَ: فَقَالَ لِي: إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ: إِنَّه مَاتَ، فَلَمَّا أَنْ قَالَ لِيَ النَّاسَ عَلِمْتُ أَنَّه هُوَ، ثُمَّ قَالَ لِي: مَا فَعَلَ جَعْفَر؟ قُلْتُ: تَرَكْتُه أَسْوَأَ النَّاسِ حَالاً فِي السِّجْنِ، قَالَ: فَقَالَ: أَمَا إِنَّه صَاحِبُ الأَمْرِ، مَا فَعَلَ ابْنُ الزَّيَّاتِ؟ قُلْتُ: جُعِلْتُ فِدَاكَ النَّاسُ مَعَه والأَمْرُ أَمْرُه، قَالَ: فَقَالَ: أَمَا إِنَّه شُؤْمٌ عَلَيْه، قَالَ: ثُمَّ سَكَتَ وقَالَ لِي: لَا بُدَّ أَنْ تَجْرِيَ مَقَادِيرُ اللَّه تَعَالَى وأَحْكَامُه، يَا خَيْرَانُ مَاتَ الْوَاثِقُ وقَدْ قَعَدَ الْمُتَوَكِّلُ جَعْفَر، وقَدْ قُتِلَ ابْنُ الزَّيَّاتِ، فَقُلْتُ: مَتَى جُعِلْتُ فِدَاكَ؟ قَالَ: بَعْدَ خُرُوجِكَ بِسِتَّةِ أَيَّامٍ)[7].

استجابة دعائه(عليه السلام):

قال أبو محمّد الفحّام: حدّثني أبو الحسن محمّد بن أحمد قال: حدّثني عمُّ أبي قال: قصدتُ الإمام (الهادي) (عليه السلام) يوماً فقلت: يا سيّدي، إنّ هذا الرجل قد اطّرحني وقطع رزقي وملّني، وما أتّهم في ذلك إلاّ علمَه بملازمتي لك، فإذا سألتَه شيئاً منه يلزمه القبول منك، فينبغي أن تتفضّل علَيّ بمسألته، فقال: تُكفى إن شاء الله.

فلمّا كان في الليل طرقني رسلُ المتوكل، رسولٌ يتلو رسولاً.. فجئت والفتح على الباب قائم فقال: يا رجل، ما تأوي في منزلك بالليل؟! كدّني هذا الرجل ممّا يطلبك، فدخلتُ.. وإذا المتوكّل جالس في فراشه فقال: يا أبا موسى، نُشغَل عنك وتُنسينا نفسَك! أي شيء لك عندي؟ فقلت: الصلة الفلانيّة والرزق الفلاني.. وذكرتُ أشياء، فأمر لي بها وبضِعْفها.

فقلت للفتح: وافى عليُّ بن محمّد (الهادي) إلى ها هنا؟ فقال: لا، فقلت: كتب رقعة؟ فقال: لا، فولّيتُ منصرفاً، فتَبِعني وقال لي: لست أشكّ أنّك سألتَه دعاءً لك، فالتمسْ لي منه دعاءً، فلمّا دخلت إليه(عليه السلام) قال لي: يا أبا موسى، هذا وجه الرضى، فقلت: ببركتك يا سيّدي، ولكنْ قالوا لي: إنّك ما مضيتَ إليه ولا سألته، فقال: إنّ الله تعالى عَلِم منّا أنّا لا نلجأ في المهمّات إلاّ إليه، ولا نتوكّل في المُلمّات إلاّ عليه، وعوّدنا إذا سألناه  الإجابة، ونخاف أن نعدل فيعدل بنا.

قلت: إنّ الفتح قال لي كيت وكيت، قال: إنّه يوالينا بظاهره ويجانبنا بباطنه، الدعاء لمَن يدعو به.. إذا أخلصتَ في طاعة الله واعترفت برسول الله (صلى الله عليه وآله)
وبحقّنا أهلَ البيت، وسألتَ الله تبارك وتعالى شيئاً لم يحرمك، قلت: يا سيّدي، فتُعلّمني دعاءً اختصّ به من الأدعية؟ قال: هذا الدعاء كثيراً ما أدعو اللهَ به، وقد سألت الله أن لا يُخيّب مَن دعا به في مشهدي بعدي، وهو: (يا عُدّتي عند العُدد، ويا رجائي والمعتمَد، ويا كفهي والسَّنَد، ويا واحد يا أحد، ويا قُلْ هو اللهُ أحد، أسألك اللّهمّ بحقّ مَن خلقتهَ مِن خَلْقِك ولم تجعل في خَلْقِك مِثْلَهم أحداً، أن تُصلّيَ عليهم وتفعلَ بي كيت وكيت)[8].

وروى الإربليّ بإسناده عن جماعة من أهل إصفهان، منهم: أبو العبّاس أحمد بن النضر، وأبو جعفر محمّد بن علويّة.. قالوا: كان بإصفهان رجلٌ يُقال له « عبدالرحمان » وكان شيعيّاً، فقيل له: ما السبب الذي أوجب عليك القول بإمامة عليّ النقيّ (الهاديّ) (عليه السلام) دون غيره من أهل الزمان؟ فقال: شاهدتُ ما يُوجِب علَيّ ذلك، إنّي كنت رجلاً فقيراً وكان لي لسان وجرأة، فأخرجني أهل إصفهان سنةً من السنين مع قومٍ آخرين فجئنا إلى المتوكّل متظلّمين وكنّا بباب المتوكّل يوماً إذ خرج الأمر بإحضار عليّ بن محمّد بن الرضا(عليهما السلام)، فقلت لبعض مَن حضره: مَن هذا الرجل الذي قد أُمِر بإحضاره؟ فقيل: هذا رجلٌ علويّ تقول الرافضة بإمامته، ثمّ قيل: ونُقدّر أنّ المتوكّل يُحضره للقتل، فقلت (مع نفسي): لا أبرح مِن ها هنا حتّى أنظر إلى هذا الرجل أيُّ رجلٍ هو؟!

فأقبل راكباً على فرسٍ وقد قام الناس يمنةَ الطريق ويسرتها صفَّين ينظرون إليه، فلمّا رأيته وقفتُ فأبصرته فوقع حبُّه في قلبي، فجعلتُ أدعو له في نفسي بأن يدفع اللهُ عنه شرَّ المتوكّل، فأقبل يسير بين الناس وهو ينظر إلى عرف دابّته لا يلتفت، وأنا دائم الدعاء له، فلمّا صار إليّ أقبل علَيّ بوجهه وقال(عليه السلام): (استجاب الله دعاءك، وطوّل عمرك وكثّر مالك ووُلْدَك)، فارتعدتُ ووقعتُ بين أصحابي، فسألوني: ما شأنُك؟! فقلت: خير، ولم أُخبرهم.

فانصرفنا بعد ذلك إلى إصفهان، ففتح اللهُ علَيّ وجوهاً من المال، حتّى أنّي أُغلق بابي على ما قيمتُه ألفُ ألفِ درهم سوى مالي خارج داري، ورُزقت عشرةً من الأولاد، وقد بلغتُ من عمري نيّفاً وسبعين سنة، وأنا أقول بإمامة هذا الذي عَلِم ما في قلبي واستجاب اللهُ دعاءه لي[9].  

وعن عليّ بن جعفر: عرضتُ أمري على المتوكّل فأقبل على عبيد الله بن خاقان فقال: لا تُتْعِبنّ نفسَك بعرض قصّة هذا وأشباهه؛ فإنّ عمّك أخبرني أنّه رافضيّ وأنّه وكيل عليّ بن محمّد (الهادي)، وحلف المتوكّل أن لا يخرج عليّ بن جعفر من الحبس، قال: فكتبتُ إلى مولانا: إنّ نفسي قد ضاقت وإنّي أخاف الزيغ،  فكتب (عليه السلام) إليّ: (أمّا إذا بلغ الأمر منك ما أرى، فسأقصد اللهَ فيك)، فما عادت الجمعة حتّى أُخرجتُ من السجن[10].

ورُوي أنّه (أي الإمام عليّ الهادي (عليه السلام)) دخل دار المتوكّل فقام يصلّي.. فأتاه بعض المخالفين فوقف حياله فقال له: إلى كم هذا الرياء؟! فأسرعَ الصلاةَ وسلَّمَ، ثمّ التفتَ إليه فقال (عليه السلام): (إنّ كنتَ كاذباً مسَخَك الله)! فوقع الرجل ميّتاً، فصار حديثاً في الدار[11].

 


[1]  سورة الإنسان: آية 30.

[2]  بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار: ص537.

[3]  بحار الأنور للعلامة المجلسي: ج50، ص185.

[4]  إعلام الورى بأعلام الهدى للشيخ الطبرسي: ج2، ص118.

[5]  الثاقب في المناقب لابي حمزة الطوسي: ص450.

[6]  دلائل الإمامة لمحمد بن جرير الطبري (الشيعي): ص414.

[7]  الكافي للشيخ الكليني: ج1، ص498.

[8]  الأمالي للشيخ الطوسي: ص286.

[9]  كشف الغمّة للإربلي: ج3، ص184.

[10]  رجال الكشي للشيخ الطوسي: ج2، ص866.

[11]  إثبات الوصية للمسعودي:230.