قيمة الانتظار

إنَّ واقع الانتظار الذي تقدم بيانه هو الذي يفسّر لنا لماذا كان الانتظار مطلوباً وواحداً من مسؤولياتنا مع ذواتنا؟ فكيف علينا أن ننتظر القائد المنتظر؟

الإجابة على هذا السؤال نأخذها من القرآن ومن النبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله) ومن أهل البيت (عليهم السلام) من هذه المدرسة الواحدة نأخذ الإجابة الصحيحة. لقد كان النبيّ(صلى الله عليه وآله) ينتظر، ولكن كيف كان ينتظر؟ فلقد كان القرآن يأمره بالانتظار ولكن أيّ انتظار، قال الله تعالى: (وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ)[1].

وهكذا لقد انتظر النبيّ العظيم(صلى الله عليه وآله) النصر والفتح لكن هو الذي كان يمهّد للنصر وللفتح لا غيره، لم يكن يطلب أن يأتيه النصر مِنْحة خالصة من السماء ومن دون ثمن فالانتظار في مفهوم القرآن الكريم لا يعني الجمود والتوقّع البارد الزائف الميت إنمّا يعني التربّص والمداورة مع العدو والتحرّك في شتّى الطرق.

وأيضاً لقد كان أئمّتنا (عليهم السلام) ينتظرون الفرج، ويوصون أصحابهم بالانتظار، وكما ننتظر اليوم قائم آل محمّد(عجل الله فرجه الشريف)، لقد كانوا مثلنا ينتظرون لكن هل تركوا العمل والتضحية، والنشاط الدائب من أجل الحق. هل وقفوا أسارى الصدف؟ إنّ انتظارهم لم يكن يعني إلاّ الاستعداد الدائم والعمل المتواصل، في السرّ أو في العلن، والتمهيد للنتيجة المطلوبة. هذا هو الانتظار في مفهوم مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، بثّ الدعوة، وتوجيه الناس، فالانتظار عمل وليس سكوناً. ومن هنا كان (أحب الأعمال إلى الله انتظار الفرج ..)[2]،
كما عبّر الإمام علي(عليه السلام)، فإذا كنّا مدعوّين إلى الانتظار، فإنما نحن مدعوون إلى العمل إلى الانتظار المتحرّك الحي، لا إلى  الانتظار  الجامد الميت. إنّ مثلنا في عصر الغَيبة مثل الطليعة التي تنتظر كتائب الجيش، بعد أن تكون قد مسحت لها الأرض، وكشفت لها الساحة.

عن منصور، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (يا منصور، إنّ هذا الأمر لا يأتيكم إلاّ بعد إياس، لا والله حتّى تُميّزوا، لا والله حتى تمحّصوا، لا والله حتّى يشقى مَن يشقى ويسعد من يسعد)[3]. فظهور الإمام (عجل الله فرجه الشريف) إذن يرتبط بعملنا وواقعنا وابتلائنا ومحنتنا، وسعادتنا وشقائنا أكثر ممّا يرتبط بالعلامات الكونية المذكورة في الكتب. وهذا مفهوم يجب أن نعمّقه ونثبّته، وعلينا أن نسعى لتحقيق عوامل ظهور الإمام (عجل الله فرجه الشريف) لا أن نبقى نترقب تحقق علامات ظهوره (عجل الله فرجه الشريف).

بناءً على ما ذكرنا من روايات اعلاه ينقلب الأمر، ويكون الإمام (عجل الله فرجه الشريف) هو الذي ينتظر حركتنا ومقاومتنا وجهادنا، وليس الأمر بالعكس، فإنّ أمر ظهور الإمام (عجل الله فرجه الشريف) إذا كان يتّصل بواقعنا فإنّنا نحن الذين نصنع هذا الواقع. وبالتالي فنحن نستطيع أن نوطّئ لظهور الإمام(عجل الله فرجه الشريف) بالعمل والحركة ووحدة الكلمة والإنسجام والعطاء والتضحية والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبإمكاننا أن نؤخّر ذلك بالتواكل والغياب عن ساحة العمل، والتهرّب من مواجهة المسؤوليات.

 


[1]  سورة هود: آية 121و122.

[2]  الخصال للصدوق: ص616.

[3]  الكافي للكليني: ج1، ص370.