البداء وعلامات الظهور

لعل قائل يقول: إن البداء في المحتوم ينافي حتميته؛ لأن معنى البداء في شيء هو العدول عنه، فحتمي الوجود يصبح ـ بواسطة البداء ـ غير حتمي، وكذلك العكس.

وعلى هذا.. فلا يبقى ثمة فرق بين المحتوم وغيره، فلا معنى لهذا التصنيف؟!.

وفي مقام الجواب نقول:

يُحتمل أن يكون المراد بالبداء في المحتوم: البداء في خصوصياته، لا في أصل وجوده، كخروج السفياني قبل ذهاب بني العباس ونحو ذلك.

ولكن ... سياق الرواية التي تتحدث عن حتمية نفس الحدث، وعروض البداء فيه نفسه، يأبى عن صرف البداء إلى الخصوصيات، ولا أقل من أنه خلاف الظاهر.. فلابد من البحث عن إجابة أخرى تكون أوضح، وأتم.

والجواب الأشمل على التساؤل المطروح كالتالي: هناك أمور  يمكن استفادتها من الروايات،منها: 

أن الإخبار يكون عن تحقّق المقتضيات للأحداث والوقائع من دون تعرض لشرائطها وموانعها، فقد تتحقق تلك، وتفقد هذه، فيوجد الحدث وقد لا يوجد، وقد أشرنا في الحلقة الأولى (المنع من التوقيت) إلى ذلك إجمالا، ولإيضاح الفكرة أكثر نعزز ذلك بأمثلة تقريبية:

أما بالنسبة للمانع، فهو نظير بيت بُنِيَ على ساحل البحر، وكان البناء من القوة بحيث يستطيع البقاء مائة سنة.

ولكن إذا ضربته مياه البحر، أو تعّرض لعاصفة عاتية، أو لزلزال، فلسوف ينتهي عمره في أقل من نصف هذه المدة فيصحّ الإخبار عن المدة الأولى من دون تعرض لذلك المانع المعارض، أو الذي يعرض له.

وكذلك الحال لو كان للإنسان حقل زرعه قمحاً، وقد استحصد، فإنه يصح له أن يقول: إن لدي مقدار ألف كيلو من القمح، ولكنه لا يدري: أن طفلاً سيلقي فيه عود ثقاب فيحرق، أو سوف يأتي سيل فيقضي عليه.

وأما بالنسبة إلى الشرط، فهو نظير شجرة خضراء غرست في الموقع وفي المكان المناسب، ولكنّ شرْطَ نموّها وحياتها هو إيصال الماء إليها، فإذا لم يتحقق هذا الشرط، امتنعت عليها الحياة، فيخبر عن حياة الشجرة، وعن عمرها، من دون الأخذ بنظر الاعتبار عدم تحقق ذلك الشرط كما قلنا.

ومن الأمثلة التي وردة على  لسان الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)، والأئمة الأطهار (عليهم السلام) نذكر:

1- عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (إن الرجل ليصل رحمه وقد بقي من عمره ثلاث سنين فيصيرها الله عز وجل ثلاثين سنة ، ويقطعها وقد بقي من عمره ثلاثون سنة فيصيرها الله ثلاث سنين، ثم تلا (عليه السلام) (يَمْحُو اللّهُ مَا يَشَاء وَيُثْبِتُ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ))[1].

2- وقد ذكرت بعض الروايات أمثلة على حصول البداء في وقت ظهور القائم (عجل الله فرجه الشريف) ( ... إن موسى (عليه السلام) وعد قومه ثلاثين يوما ، وكان في علم الله عز وجل زيادة عشرة أيام لم يخبر بها موسى، فكفر قومه واتخذوا العجل من بعده لما جاز عنهم الوقت، وإن يونس وعد قومه العذاب، وكان في علم الله أن يعفو عنهم ، وكان من أمره ما قد علمت..)[2].
 وقد عبرت الروايات عن هذا القسم تارة بـ(الموقوف) وأخرى بـ(ما ليس بمحتوم).  وعن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله الإمام الصادق (عليه السلام) (ما عُظِّمَ اللهُ  بمثلِ البداء)[3]، أي ما عظم الله تعالى بشيء من أوصاف ومحامد يكون مثل البداء; لأن تعظيمه تعالى ووصفه بالبداء الذي هو فعل من أفعاله مستلزم لتعظيمه ووصفه بجميع الصفات الكمالية مثل العلم والقدرة والتدبير والإرادة ، والاختيار وأمثالها.

 


[1] سورة الرعد: آية39، بحار الأنوار:ج47، ص163.

[2] الغَيبة للنعماني: ص303.

[3] الكافي للكليني: ج١، ص١٤٦.