عنْ مِسْمَعِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: (كُنَّا عِنْدَ أَبِي عَبْدِ الله(عليه السلام) بِمِنى وبَيْنَ أَيْدِينَا عِنَبٌ نَأْكُلُه، فَجَاءَ سَائِلٌ فَسَأَلَه، فَأَمَرَ بِعُنْقُودٍ فَأَعْطَاه، فَقَالَ السَّائِلُ: لَا حَاجَةَ لِي فِي هَذَا إِنْ كَانَ دِرْهَمٌ، قَالَ(عليه السلام): يَسَعُ الله عَلَيْكَ، فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ: رُدُّوا الْعُنْقُودَ، فَقَالَ(عليه السلام) يَسَعُ الله لَكَ ولَمْ يُعْطِه شَيْئاً، ثُمَّ جَاءَ سَائِلٌ آخَرُ فَأَخَذَ أَبُو عَبْدِ الله(عليه السلام) ثَلَاثَ حَبَّاتِ عِنَبٍ فَنَاوَلَهَا إِيَّاه فَأَخَذَها السَّائِلُ مِنْ يَدِه ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي رَزَقَنِي، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله(عليه السلام): مَكَانَكَ فَحَشَا مِلْءَ كَفَّيْه عِنَباً فَنَاوَلَهَا إِيَّاه فَأَخَذَهَا السَّائِلُ مِنْ يَدِه ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله(عليه السلام): مَكَانَكَ، يَا غُلَامُ: أَيُّ شَيْءٍ مَعَكَ مِنَ الدَّرَاهِمِ؟ فَإِذَا مَعَه نَحْوٌ مِنْ عِشْرِينَ دِرْهَماً فِيمَا حَزَرْنَاه أَوْ نَحْوِهَا، فَنَاوَلَهَا إِيَّاه فَأَخَذَهَا ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لله هَذَا مِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ الله(عليه السلام): مَكَانَكَ، فَخَلَعَ قَمِيصاً كَانَ عَلَيْه فَقَالَ: الْبَسْ هَذَا فَلَبِسَه، ثُمَّ قَالَ: الْحَمْدُ لله الَّذِي كَسَانِي وسَتَرَنِي يَا أَبَا عَبْدِ الله أَوْ قَالَ جَزَاكَ الله خَيْراً لَمْ يَدْعُ لأَبِي عَبْدِ الله(عليه السلام) إِلَّا بِذَا ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ، قَالَ فَظَنَنَّا أَنَّه لَوْ لَمْ يَدْعُ لَه لَمْ يَزَلْ يُعْطِيه لأَنَّه كُلَّمَا كَانَ يُعْطِيه حَمِدَ الله أَعْطَاه)[1].
فمضى السائل وقد أكل عنبا ونال عنبا ونال مالاً ولبس ثيابا عطّرها جسم الإمام المعصوم(عليه السلام) كل ذلك لأنه رضي وقنع أول الأمر بثلاث حبات من العنب وحمد الله عليها، بينما الأول خسر كل ذلك وفاته هذا العطاء بسوء سريرته وطمعه، فالقناعة كنز مادي ومعنوي.
وفي هذا الحديث نلاحظ أن عطاء أهل البيت(عليهم السلام) وبذلهم يمتاز بارتباطه الوثيق بالله سبحانه، ورعاية جانب التقرّب إليه فيه، دون أن يشوبه من نوازع النفس الإنسانية ما هو غريب عن هذا الارتباط، فحين كان شعور السائل بالامتنان لله خالصاً فيما أولاه الإمام(عليه السلام) من إحسان، كان عطاء الإمام(عليه السلام)
يتضاعف، ولكن عندما أبدى السائل امتنانه للإمام (عليه السلام) بدعائه له أخيراً، كف الإمام (عليه السلام) عن الإعطاء، حتى لا يستمر مدحه له، فيخرجه عن الخلوص لله، ويفتتن السائل بمدح غير الله وإن كان الإمام(عليه السلام)، فهنا نلاحظ رعاية ذلك الارتباط في العطاء من الإمام (عليه السلام) بصراحة.